رأي

تفكيك أسطورة الشعب

تفكيك أسطورة الشعب

بقلم: حاتم الياس

في زمن تسعيني بعيد، كنت وقتها شاباً، حكى لنا احدهم في ليلة سمر ، وبطريقة مفرطة في البساطة، وهو يضحك، أنه كان يعمل في منظمة إسلامية في جنوب السودان أيام الحرب. هو «ماكوز» بالمناسبة. قال إن امرأة جنوبية، تحت وطأة الجوع، طلبت منه أن يعطيها «عيشاً ناشفاً»، أعتقد أنه كان من زاد المجاهدين. قال إنها أعجبته، فطلبها مقابل أن يعطيها الخبز الناشف، فوافقت. ختم حكايته بضحكة بريئة جداً. لكن هذه القصة ما زالت ترتج في ذاكرتي، وكأنها ارتطام قاسٍ بحائط حجري، كلما تذكرتها. لاحقاً، وبعد سنوات، كتب الرجل في صفحته بحزن: «لم يعدم كفاره، وربنا يعوضك» أن الجنجويد نهبو منزله.

أتيم سايمون وصلاح الأمين هما، للأمانة، مراجع تمشي على قدمين في الغناء السوداني. صلاح يتفوق في التاريخ الاجتماعي، شمالاً وجنوباً، بينما يستطيع أتيم سايمون أن يدلك على أغنية غميسة وشاعرها. صلاح يذهب أبعد من ذلك؛ يمكن أن يحدثك عن والد الفنان، وحبوبته بت منو واصلاً، وهم من وين، وقد يضيف لك أكلته المفضلة، ويتشعب في تفاصيل ترسم لك بورتريه اجتماعياً كاملاً. أما أتيم سايمون، فاهتمامه الأكبر ينصب على رصد المساهمة الفنية والموسيقية لفناني وموسيقيي جنوب السودان، أو أصحاب الجذور الجنوبية، في الفن السوداني. أتيم، في هذا الجانب، قصاص أثر. ليس «أثر» حقت ناس عارف الصاوي، ذات العناوين المشتبكة مع حقول الشعر. اي (شعرنة. الصحافة) والتي تتوخى محاذاة النفس الشعري في عناوينها. يعني ممكن تلقى عنواناً عن أم صميمة، تحليل للمعارك، فتجد العنوان يقول: «أم صميمة: ذاكرة البارود، ترى هل يسقط الأبرياء في المجاز؟»

أنا هسع داير أقول شنو؟

أعود لأتيم سايمون. قال لي إن حرب الجنوب كانت قبل الانفجار المعلوماتي. ولو كان الفيسبوك والواتساب والهاتف الذكي حاضراً في ذلك الزمان، لرأينا الفظائع والانتهاكات التي ارتكبها الطرفان، بالطبع. فالحركة الشعبية نفسها لم تكن بمنأى عما تفرضه الحرب من عنف وانتهاكات. لكن عنوان هذا البوست، الذي ظللت أحوم حوله حرثاً من الشمال واليمين، هو أننا، كنخب، وخصوصاً القادمة من جهة اليسار، لطالما أضفينا قداسة على موضوعة «الشعب»، بشكل فيه أحياناً نوع من التضخيم، وربما الأسطرة. ومفهوم «الشعب» نفسه مفهوم احتيالي في كثير من الأحيان؛ لأن النخبة حين تتحدث عن «الشعب السوداني» فهي، في الواقع، تحيل إلى نفسها وإلى صفتها التمثيلية. ولهذا تتزاحم الخطابات في موضع ومفهوم «الشعب». عند البرهان، مثلاً، القوات المسلحة هي التي تمثل الشعب السوداني وتدافع عنه. وهنا يُجبر الشعب الغائب عن المشهد على تبني خطاب الدفاع والكرامة. وعند صمود، هم أيضاً يمثلون الشعب. وعند الكتلة الديمقراطية، هم كذلك يمثلون الشعب وتأسيس اللتنا دي برضو وعند الإسلاميين. الشعب السوداني. المسلم . حتى الناظر ترك، يقفل ويفتح في الشوارع على كيفو وكأنه غفير قلق يتبن في أبواب الشرق وأقفاله، للتأكد من تمام حقوق ملكيته للشعب، وهو يفعل ذلك باسم الشعب البجاوي. وبشكل عام، يبدو أن كل النخب السياسية، أو ما يمكن تسميته بـ«النادي السياسي الخرطومي»، حين يتحدث عن الشعب السوداني المناضل، يسحب إليه صفة النضال باعتبارها أمراً مكتسباً من حقيقة الشعب بمعنى انعكاس لقيمة الشعب في موقفه السياسي العام . وحين يتحدث عن الشعب السوداني المسلم، الطاهر، النقي، المتمسك بعقيدته وشريعته، فهو يحيل الأمر العقدي إليه أيضاً؛ أي أنه هو الطاهر النقي المتمسك بعقيدته. وعلى ذكر ذلك، رحل قبل أيام التجاني عبد القادر، أحد كبار القيادات الإسلامية، رحمه الله. ونعاه الجميع، حتى أن الباشمهندس عمر الدقير كتب عنه. وجدت من قبل، عند باعة الكتب المستعملة «مفروش»، كتاباً قديماً صادراً عن جامعة أفريقيا، كتب فيه التجاني عبد القادر، وأمين حسن عمر ــ النسخة غير المنقحة ذهنياً من الترابي ــ وعبد الوهاب الأفندي. ورأيت في مقال للتجاني رأياً عجيباً يقول إن أموال الزكاة لا ينبغي أن تذهب إلى المتسولين والمتعطلين، بل يجب أن تذهب إلى المجاهدين. كانت تلك المجلة، للطرافة، تحاول أن تكون الظهير الفكري لنظام الإنقاذ. القول إن الرجل كان ناقداً للتجربة وشجاعاً وانتقد الإسلاميين صحيح، لكن من موقع بسيط جداً: موقع المقارنة بين الواقع والمثال؛ بين الطوباوي الذي يرقد في أفق الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية، وبين نموذج دولة المدينة المنشود. وهنا تكمن، ببساطة، إحدى ورطات الإسلاميين، وورطتهم هم أنفسهم: أن التنظيم الإسلامي يرى في نفسه الصورة السياسية العملية للإسلام، أي أن الإسلام نفسه أصبح تنظيماً. وهذه هي ورطتنا معهم، وورطتهم هم أنفسهم. لكن حين اندلعت الحرب، حدث ما يشبه، في علم الزلازل، «الهزة الارتدادية»؛ الهزة التي أصابت بنية التفكير في العقل السياسي، فأعادته إلى أصله القديم في التنظيم، أو حتى إلى البنى الاجتماعية التي كانت تعبر تاريخياً عن سلطة الدولة. فرجع الناس كلهم إلى مواقعهم القديمة. و«كل قرد طلع شَدرتو» الاجتماعية أو السياسية. هذه الحرب لم تكن مجرد رصاصة. كانت تفجيراً لكل التناقضات الاجتماعية. وكانت أيضاً، في تقديري، مثل صافرة النهاية التي أطلقت لإنهاء أشواط كاملة بزمنها الإضافي من التفكير السياسي في السودان. رأينا فيها كيف نهب الجيران بيوت الجيران. ورأينا ــ لكننا ننكر ــ كيف اقتحم رجال ونساء من أطراف الخرطوم العشوائية المنازل في الأحياء الراقية وغيرها مدفوعين بالفقر والحاجة. ورأينا، قبل عنف الدعم السريع، عنفنا ضد بعضنا البعض كان التعبير الأمثل لذلك تجده في قول توماس هوبس (الإنسان ذئب على أخيه الإنسان). ولم يكن ذلك حالة جديدة، لكننا، خلف شعار «نحن الساس ونحن الرأس»، أخفينا الكثير من أزماتنا ومشكلاتنا وامراضنا . وهنا أقول إن «كتاب حياتي» لبابكر بدري هو أول كتاب، وربما أهم كتاب، حاول أن يعقلن لمفهوم «الشعب» عبر تقديم الوقائع بتجرد، والنظر إلى الإنسان بوصفه إنساناً، خارج المنحى التقديسي والأسطوري. لذلك، إذا أردنا أن نفتح باباً حقيقياً للمستقبل، فعلينا أن نفكك أسطورة الشعب نفسها ، وأن ننظر لأنفسنا في مرآة الواقع والحقائق؛ دون إكثار من البهارات والدقيق. والشمار، وبلاشك دون الذهاب أيضاً إلى تفكير عدمي يلغي قيمنا الموجودة . قبل الاصطفاف، والكوراك، والقومية، والقاعدة، علينا أن نسأل: هل نحن فعلاً شعب عظيم وكريم ونبيل؟ أم أننا نحتاج إلى كسر هذه المرآة وانتظار «جوانا»، كما قال صاحب ذلك التسجيل الشهير، لنكتشف أين موضع التفاعلية، وأين موضع العظمة؟ أي أن نعقلن النظر إلى مفهوم «الشعب» نفسه. ربما تكون الخطوة الأولى نحو المستقبل ليست أن نكتشف كم نحن عظماء، وإنما أن نمتلك الشجاعة الكافية لنعرف: من نحن فعلاً وعلينا قبل ذلك أن اننا نقبع داخل بنية تخلف اجتماعي مزمن علينا تفكيك ٱليات استمرارها وإعادة إنتاجها ترى هل ساشير للخطاب الإسلامي وحده كواحدة من هذه الآليات ام أن القصة. عييييك ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!