رأي

الشهادة السودانية.. حين يصبح التفوق امتيازاً اجتماعياً.. كيف يستقيم ظل الوطن والعود أعوج؟

الشهادة السودانية.. حين يصبح التفوق امتيازاً اجتماعياً.. كيف يستقيم ظل الوطن والعود أعوج؟

بقلم الدكتورة اخلاص قرنق

لماذا كل هذه الحفاوة؟

سؤال مشروع يفرض نفسه أمام المشهد الذي رافق الاحتفاء بالطالبة الأولى في الشهادة السودانية، التي درست في إحدى المدارس الخاصة بالقاهرة، وما صاحب تكريمها من اهتمام رسمي رفيع المستوى، وصل إلى حد تقديم هدية ثمينة لها.

بدايةً، لا بد من القول إن تفوق الطالبة واستحقاقها للنجاح أمر يستحق التهنئة والاحترام. ولا ذنب لها في أن تكون ابنة جنرال في الجيش السوداني، ولا ينبغي أن يتحول نجاحها الشخصي إلى مناسبة للنيل منها أو التقليل من جهدها.

لكن السؤال ليس عن الطالبة.

السؤال عن الدولة.

السؤال: هل أصبح التفوق في السودان يُقاس فقط بالنتيجة، أم أن هناك أيضاً طبقات من الامتياز تجعل بعض الناجحين أكثر استحقاقاً للاحتفاء من غيرهم؟

ماذا عن أبناء الغبش والمسحوقين الذين جلسوا للامتحانات في السودان وسط ظروف الحرب والنزوح والخوف وانقطاع التعليم؟

ماذا عن الطالب الذي كان يذهب إلى الامتحان وهو لا يعرف أين ستكون أسرته في اليوم التالي؟

ماذا عن الفتاة التي فقدت بيتها، أو المدرسة التي توقفت، أو الأسرة التي لم تجد قوت يومها، ومع ذلك أصرت على أن تحمل كتابها وتجلس لامتحان الشهادة السودانية؟

هؤلاء أيضاً أبطال.

بل إن بعضهم خاض امتحاناً أصعب من ورقة الأسئلة نفسها؛ امتحاناً اسمه الحرب.

ثم هناك سؤال أكثر مرارة:

أين أبناؤنا من البنين الذين كان ينبغي أن يكونوا الآن في الجامعات والمعاهد، فإذا بالحرب والاستنفار والجهاد تستدعيهم إلى ساحات القتال؟

شباب في عمر الزهور وجدوا أنفسهم بين خطاب الموت وخطاب الواجب الوطني، بينما كان الطبيعي أن يكون سلاحهم الكتاب والقلم والمختبر وورشة التدريب.

لا أحد يعترض على الدفاع عن الوطن عندما يكون الوطن مهدداً، لكن من حقنا أن نسأل: أي وطن ندافع عنه إذا كان يدفع أبناءه إلى الموت ثم يحتفي بعد ذلك بالناجين من الحرب وكأن شيئاً لم يكن؟

وقبل ذلك، طالعنا احتفاءً واسعاً بالفنانة ندى القلعة، التي عُرفت بمواقفها الداعمة للاستنفار وبخطابها الفني المؤيد للقتال، في الوقت الذي كان فيه آلاف الشباب السودانيين يُدفعون إلى جبهة الحرب.

ثم نشهد احتفاءً رسمياً وشعبياً بمناسبة مرتبطة بنجلها وائل، في مشهد يفتح الباب أمام سؤال آخر عن المعايير التي نستخدمها عندما نحتفي بأبنائنا وأبناء الآخرين.

وهنا لا أتحدث عن الفنانة أو ابنها باعتبارهما المشكلة، وإنما عن التناقض الذي يبدو في المشهد العام:

عندما يتعلق الأمر بأبناء الناس، يصبح الموت بطولة والاستنفار واجباً، وعندما يتعلق الأمر بأبناء أصحاب النفوذ والمكانة الاجتماعية، يبدو الاحتفاء والنجاح والامتياز في مقدمة المشهد.

فأين العدالة؟

الشهادة السودانية ليست مجرد ترتيب للطلاب.

هي مرآة لبلد كامل.

وفي بلد أنهكته الحرب، ينبغي أن يكون الاحتفاء بالطالب الأول مناسبة للاحتفاء أيضاً بالطلاب الذين قاوموا الحرب بالعلم، وبالمعلمين الذين واصلوا التدريس رغم النزوح، وبالأسر التي ضحّت بما تستطيع حتى يبقى أبناؤها في مقاعد الدراسة.

كان يمكن لرئيس مجلس السيادة، وهو يكرّم الأول على الجمهورية، أن يجعل من المناسبة رسالة وطنية أوسع:

أن يكرّم معها طالباً من معسكر نزوح.

وطالبة فقدت والدها في الحرب.

وطالباً جلس للامتحان بعد أن نزحت أسرته من مدينة إلى أخرى.

ومعلماً ظل يدرّس بلا راتب.

وطفلاً كان يمكن أن يكون في المدرسة، لكن الحرب أخذت منه مقعده وكتابه وأمانه.

كان يمكن أن تكون الرسالة:

أن السودان لا يكرّم أبناء الصفوة وحدهم، وإنما يرى أبناءه جميعاً.

نحن لا نحسد المتفوقين على نجاحهم، ولا نطالب بحرمان أحد من التكريم.

نحن نطالب فقط بأن تكون هناك عدالة في النظر إلى أبناء الوطن.

فالوطن الذي يطلب من الفقير أن يقدم ابنه للحرب، ثم يحتفي بصورة استثنائية بنجاح أبناء القادرين، عليه أن يتوقف قليلاً ويسأل نفسه:

هل نحن أمام وطن واحد فعلاً؟

أم أمام وطن له أكثر من معيار؟

إن أخطر ما تفعله الحروب ليس فقط قتل البشر وتدمير المدن، وإنما تشويه معايير العدالة في المجتمع؛ فيصبح امتياز البعض أمراً طبيعياً، بينما يصبح ألم الآخرين شيئاً معتاداً لا يلفت الانتباه.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس:

لماذا كُرّمت الأولى؟ بل: لماذا لا نرى كل الذين تحدّوا الحرب ونجحوا؟

ولماذا لا يكون التكريم الحقيقي لكل طالب سوداني تمسك بحقه في التعليم، ولكل أسرة حافظت على مستقبل أبنائها وسط الخراب، ولكل شاب اختار أن يبني وطنه بالعلم بدلاً من أن يموت في حرب لا يفهم أسبابها؟

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف البطولة.

البطل ليس فقط من يحمل السلاح.

البطل أيضاً من يحمل الكتاب.

والبطلة ليست فقط من تقف في الصفوف الأمامية.

البطلة أيضاً تلك التي تواصل تعليمها وسط النزوح والخوف والفقر.

والتكريم الحقيقي ليس في قيمة الهدية، وإنما في قيمة الرسالة التي تبعثها الدولة إلى شعبها.

فإذا كانت الرسالة أن أبناء السودان متساوون، فأثبتوا ذلك في التعليم والصحة والعدالة والفرص والتكريم.

أما إذا ظل معيار الاهتمام يتغير بحسب الاسم والنسب والمكانة، فسيظل السؤال قائماً:

كيف يستقيم ظل الوطن… والعود أعوج?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!