رأي

الجار الذي لم يخذلنا، قراءة في الموقف الأوغندي من مأساة السودان

محمود كاربينو

حين اشتد الخناق على السودان وأصبح الوطن ساحة حرب مفتوحة على الجغرافيا والهوية، تقدمت أوغندا بخطى صامتة ولكنها ثابتة، تحمل وداً قديماً، وتفهماً عميقاً، وروحاً إفريقية ترفض أن ترى الأشقاء وهم يتهاوون فرادى في دروب المنافي والخذلان ، لم تكن أوغندا مجرد دولة جوار، بل كانت مساحة أمان، ومتنفساً حقيقياً لسودانيين وجدوا أنفسهم مطرودين من مدنهم، من جامعاتهم، من حياتهم.*

*في لحظة فارقة من تاريخ السودان لحظة يسودها الدم والدمار، استجابت كمبالا بنداء الإنسانية قبل أن تستجيب لنداء السياسة ، استضافت من استطاع أن ينجو من الموت، وفتحت جامعاتها لطلاب حرموا من قاعات الدرس، وسهلت الإجراءات بلا تعقيد بيروقراطي، كأنها تقول أنتم بين أهلكم، لا غرباء ولا لاجئين ، إن هذا السلوك لا يُقرأ فقط في بُعده الإنساني، بل يتجاوز ذلك إلى تموضع سياسي مدروس، يعكس فهماً نادراً لمآلات التحول في السودان، وتعاطياً حكيماً مع ما يجري من تخلخل في بنية الدولة والنظام والمجتمع.*

*لم يكن اللاجئ السوداني في أوغندا مجرد رقم في سجلات الأمم المتحدة، بل إنسان كامل، له كرامته ومكانته، وقد وجدت هذه المعاملة أصداءها في الجامعات، في الأسواق، في المؤسسات الحكومية وحتى في الأحياء الشعبية ، لم تُبْنى الحواجز النفسية كما تفعلها دول كثيرة تجاه من يفرون من مناطق الحرب، بل تراجعت الحساسية السيادية أمام نداء القربى الإفريقي، وانفتحت أبواب كانت في غير هذا الظرف تُغلق باسم الأمن والمصلحة الوطنية ، أوغندا راهنت على الإنسان، وعلى طاقته، ونجحت في تثبيت نموذج غير استعلائي في التعاطي مع المأساة السودانية.*

*لقد أدركت أوغندا قيادة وشعباً، أن ما يجري في السودان ليس شأناً داخلياً معزولاً، بل هو معركة على مستقبل إفريقيا كلها، معركة ضد الاستبداد، وضد إعادة إنتاج الدكتاتورية بلباس ديمقراطي زائف ، ولذلك اختارت الوقوف مع روح التغيير، لا مع ظلال الاستمرار، وفتحت قلبها للسودانيين لا بوصفهم عابري حدود، بل بوصفهم حاملي أمل ومشروع جديد.*

*في الوقت الذي تحركت فيه أطراف كثيرة لرعاية أجندات عسكرية في السودان، كانت كمبالا تعزز خطاباً سياسياً يستوعب التعدد ويقف على مسافة قريبة من نبض التغيير ، لم تكن أوغندا محايدة في العمق، بل كانت منحازة للقيم الجديدة التي يحاول السودانيون تثبيتها ، قيم الحرية والعدالة والتحول المدني ، وهذا الانحياز الذكي، لا يُحسب على جهة دون أخرى، بل يُحسب للمبدأ في زمن سقطت فيه المبادئ ، فكانت رسالتها صريحة ، إفريقيا لا يجب أن تكون ساحة صراعات بالوكالة، بل فضاءً لتضامن الشعوب وبناء المستقبل المشترك.*

*الدور الأوغندي لم يكن موسمياً ولا دعائياً، بل كان متجذراً في روح إفريقية تؤمن بأن حدود الخرائط لا تلغي وحدة المصير ، وهو ما يفرض على السودانيين أنفسهم أن يعيدوا قراءة هذه اللحظة بعين الامتنان لا النسيان، وبعين البناء لا الاستهلاك، ليكون مستقبل العلاقات بين الشعبين أكثر رسوخاً، بعيداً عن تقلبات العواصم وأهواء الحكومات.*

*أوغندا لم تنقذ السودانيين فقط من جحيم اللحظة، بل ساهمت في تثبيت معنوي لفكرة التغيير ذاتها، حين رأت فيها أملاً لا خطراً، وفتحت باباً في زمن انسدت فيه الأبواب، وهذا في ذاته شهادة نادرة في زمن عز فيه الشهود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!