
السودان بين جراح الحرب وميلاد الدولة الجديدة
سمية النور دهب.. دبلن
لم يعد السودان ذلك الوطن الذي تُختصر أزماته في خلاف سياسي أو أزمة اقتصادية عابرة؛ فقد تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لنتائج عقود من الفشل البنيوي، وانهيار مؤسسات الدولة، وغياب الحكم الرشيد. الحرب التي انفجرت لم تكن حدثًا مفاجئًا، بل كانت حصيلة طبيعية لمسار طويل من التراكمات التي صنعتها الأنظمة الشمولية، وعلى رأسها منظومة الإسلاميين التي حكمت البلاد بقبضة أمنية وبعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة.
دخل السودان الحرب وهو مثقل بإرثٍ من التسييس العميق للمؤسسات العسكرية والأمنية، وبتشظٍ اجتماعي طفّفته سنوات القمع والانقسام، ما جعل أي شرارة كفيلة بإشعال أطراف البلاد. ومع بدء المواجهات، انهارت البنية الإدارية الهشة، ووجد المواطن نفسه وحيدًا أمام آلة الخراب: مدن تتساقط، وخدمات تنقطع، وأسر تُقتلع من جذورها نحو النزوح واللجوء، بينما غابت الدولة التي يُفترض أن تحمي الناس وتنظّم حياتهم.
لكن في خضم هذا الظلام، برزت ملامح القوة الحقيقية للشعب السوداني. فقد ظهرت شبكات المتطوعين، وعيادات الطوارئ الشعبية، ومبادرات الإيواء، وحملات إنقاذ المدنيين. هذه الجهود لم تكن مجرد إسعاف وقتي، بل كانت تعبيرًا عن نضج اجتماعي يؤكد أن السودانيين قادرون على صناعة البديل حينما تتخلى الدولة عنهم. لقد حافظت هذه المبادرات على نبض الحياة في لحظة كان الموت هو العنوان الأبرز.
ورغم استمرار المعارك، بدأ النقاش الوطني حول المستقبل يتسع. يدرك السودانيون اليوم أن أي تسوية سياسية لن تكون ذات جدوى إن استندت إلى المحاصصات أو إعادة تدوير البنى القديمة. المطلوب هو مشروع تأسيسي شامل يعيد بناء الدولة من أساسها:
دولة مؤسسات لا تخضع لسيطرة الجماعات، وعدالة انتقالية تكشف الحقائق وتضمن المحاسبة، وجيش مهني موحّد يخضع للدستور لا للأفراد، واقتصاد يُدار بالشفافية لا بالولاءات، إضافة إلى رؤية تنموية تُنهي عقود التهميش وتعيد توزيع الموارد بصورة عادلة.
التأسيس لسلام دائم يتطلب شجاعة الاعتراف بأن الماضي كان فاشلًا، وأن تكرار تجاربه يعني إعادة إنتاج الكارثة. السودان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يُشرك المواطنين في القرار، ويجعل القانون فوق الجميع، ويعيد الثقة في مؤسسات الدولة. هذه ليست مهمة نخبوية فحسب، بل مسؤولية مجتمع كامل يريد أن يطوي صفحة الحرب ويفتح صفحة جديدة من الاستقرار.
إن السودان يقف الآن أمام مفترق طرق حقيقي: إما العودة إلى دوامة الصراع والانتظار السلبي، أو الشروع في بناء وطن يستحقه أبناؤه. وإذا كان الخراب قد بلغ مداه، فإن ذلك يمنح البلاد فرصة نادرة لإعادة التأسيس بلا قيود ولا أوهام. المستقبل لن يصنعه من أشعلوا الحرائق، بل من امتلكوا الشجاعة لإطفائها وبناء ما تهدّم.
هذا هو التحدي، وهذا هو الأمل.




