رأي

العصا لمن عصا.. البرهان وهمُ الشرعيّةِ من وراءِ البحار

العصا لمن عصا.. البرهان وهمُ الشرعيّةِ من وراءِ البحار

بقلم: نجوي بابو

منذ فجر الفلسفة السياسية، ظلّ السؤال الحارق الذي يتردد في أروقة الفكر هو من أين تستمد السلطة حقها في البقاء؟ هل تنبع الشرعية من فوهات البنادق ومنطق فرض الأمر الواقع، أم أنها عقدٌ أخلاقي واجتماعي لا يكتمل إلا برضا الإنسان وصون كرامته؟ حين يُختزل الوطن في طموحات فردية، وتتحول الدولة إلى مجرد بطاقة تعريف يُبحث بها عن اعتراف خارجي في المحافل الدولية، تبرز المفارقة الفلسفية الكبرى. إن محاولة تسوية الأزمات السياسية عبر بوابات عواصم القرار الدولي لا تعكس في عمقها سوى أزمة شرعية داخلية مستعصية. فالسلطة الحقيقية لا تُمنح بصكوك دولية، بل تُولد من رحم الداخل، ومن قدرتها على تمثيل تطلعات الإنسان الذي يئن تحت وطأة المعاناة.

في أدبيات الفكر السياسي، يُعلمنا الفلاسفة أن السلطة التي تعجز عن حماية الإنسان وتفتقر إلى التفويض الشعبي تفقد مبرر وجودها الأخلاقي، وتتحول إلى مجرد هيكل يحتكر العنف دون امتلاك القبول. وهنا تبرز بقوة فلسفة توماس هوبز في كتابه الشهير الليفياتان حيث يرى أن الغرض الأساسي والوحيد لنشأة الدولة وخروج البشر من حالة الفوضى وحرب الجميع ضد الجميع هو توفير الأمن وحماية حياة الأفراد. لكن المفارقة التاريخية تتجلى عندما تتحول السلطة من أداة لحفظ السلم الأهلي إلى مصدر لتهديد حياة المواطن نفسه. عندما يعجز الحاكم عن تأمين المواطن، ويصبح الصراع على كرسي الحكم هو المتسبب الأول في تمزيق النسيج الاجتماعي وإشعال الحروب، يسقط المبرر الفلسفي لسلطة الأمر الواقع؛ فالدولة التي تعجز عن حقن دماء شعبها تفقد علة وجودها، وتتحول من حامٍ إلى قوة باطشة تتغذى على أشلاء الوطن. إن سياسة العصا لمن عصا قد تنجح في إدارة جغرافيا معينة بقوة السلاح لفترة من الزمن، لكنها تعجز تماماً عن بناء أمة أو نيل احترام التاريخ.

من الناحية القانونية والدبلوماسية، يقع هذا المشهد في الفجوة العميقة بين سلطة الأمر الواقع والسلطة الشرعية الدستورية .فالأولى تُفرض مادياً وتتعامل معها القوى الدولية انطلاقاً من البراغماتية لتسيير المصالح الاضطرارية مثل الإغاثة والتفاوض، دون أن يعني ذلك اعترافاً بسلامتها الدستورية أو تمثيلها للشعب. أما الثانية فهي المستندة إلى تفويض شعبي حر يعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين. إن محاولات قادة السلطة الحالية التمسك بالمنابر الدولية واستجداء التأشيرات لا تتعدى كونها محاولة بائسة لتحويل حالة الأمر الواقع المأزومة إلى شرعية قانونية دائمة. غير أن المجتمع الدولي الحديث والضمير الإنساني باتا يربطان الاعتراف الكامل بمدى التزام السلطة بالحقوق الأساسية والتحول الديمقراطي، مما يجعل الاعتماد الصرف على السيطرة العسكرية آلية قاصرة وعاجزة عن حيازة الاحترام.

بينما تُناقش كواليس السياسة الدولية تفاصيل البروتوكولات، هناك لوحة إنسانية شديدة القتامة تُكتب تفاصيلها يومياً على الأرض إذ يدفع الإنسان السوداني ثمن هذه الطموحات من أمنه ومستقبله، وسط ملايين النازحين واللاجئين الذين هُجروا من ديارهم وصاروا يبحثون عن فضاء تُحترم فيه إنسانيتهم، في ظل غياب كامل للمشاريع التنموية وتحول المؤسسات إلى ركام. إن الدرس الفكري الذي يجب وعيه هو أن الشرعية لا تُستورد من نيويورك أو واشنطن قد تفرض البراغماتية التعامل الإجرائي، لكنه يظل فاقداً للعمق الأخلاقي. الطريق الوحيد لاستعادة هيبة الدولة السودانية يمر عبر العودة إلى الداخل، وإنهاء مأساة الإنسان، وإعادة السلطة إلى صاحبها الأصيل وهو الشعب. وبدون هذا العقد الداخلي المتين، ستظل كل التحركات الدبلوماسية مجرد حرث في البحر ومحاولات لتجميل واقع لا يمكن إخفاء تصدعاته الغائرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!