

وسط دخان الحرب، وصوت القصف، وضجيج الأزمات، يضيع جيل بأكمله في السودان دون أن يشعر به أحد. شباب في عمر البناء والحلم، وجدوا أنفسهم فجأة في قلب معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تتقاذفهم الأزمات من كل اتجاه، وتغلق في وجوههم كل أبواب المستقبل.
هؤلاء ليسوا على هامش المشهد، بل في مركزه تمامًا، فهم اليوم وقود الحرب، وضحيتها، وغدها المجهول. في المدن التي تحولت إلى ساحات قتال، وفي معسكرات النزوح، وفي أطراف القرى التي لم تعد آمنة، نجد وجوهًا شابة فقدت طريقها، تُطاردها البنادق من جهة، والجوع واليأس من جهة أخرى.
منهم من حُرم من التعليم بعدما أُغلقت المدارس، أو تحولت إلى مراكز إيواء. ومنهم من فَقَد أسرته، أو هرب من التجنيد القسري، أو سقط ضحية للابتزاز والضغط والتهديد. آخرون، انجذبوا للقتال لأنهم لم يجدوا بديلًا؛ لا وظيفة، ولا أمل، ولا حتى مساحة للحديث عن أحلامهم.
لقد تحوّل التجنيد القسري للشباب إلى ظاهرة مرعبة في بعض المناطق. هناك من يُجبرون على حمل السلاح وهم دون سن الثامنة عشرة، يُستخدمون في القتال، وفي نقاط التفتيش، وحتى في أعمال الدعم اللوجستي. يحدث ذلك في بلد موقّع على اتفاقيات دولية تحظر تجنيد الأطفال، لكن لا أحد يحاسب، ولا أحد يردع.
ومع كل ذلك، لا تتوفر برامج رسمية لحمايتهم أو لاحتوائهم. لا توجد خطة وطنية لإعادة إدماج من جُنّدوا، ولا مبادرات حقيقية لإعادة فتح المدارس أو دعم المتسربين منها. فئة عمرية كاملة تُترك لمصيرها في العراء: بين قسوة الحرب، وقسوة الإهمال.
القلق لا يتعلق فقط بالحاضر، بل بالمستقبل. جيل شبّ على أصوات القصف، وتشكّل وعيه وسط العنف والنزوح والتجنيد، سيكون حتمًا جيلًا مكسورًا نفسيًا واجتماعيًا، ما لم يتم احتواؤه بسرعة. وإذا لم تُفتح له مسارات جديدة للعيش الكريم، فقد يتحول إلى قنبلة اجتماعية مؤجلة، وإلى تربة خصبة لتجدد النزاعات والتمردات.
لكن وسط هذه الصورة القاتمة، هناك بصيص أمل. فالشباب السوداني، رغم الجراح، لا يزال قادرًا على العطاء. نراهم في لجان المقاومة، في المبادرات المجتمعية، في مخيمات الإغاثة، يقودون حملات التوعية، ويساعدون الأسر، ويزرعون بذورًا صغيرة من الحياة وسط الخراب. إنهم لا يحتاجون سوى لفرصة، لثقة، ولموارد تعينهم على الاستمرار.
مستقبل السودان لن يُرسم في غرف المفاوضات وحدها، بل في أعين هؤلاء الشباب. إما أن نختار أن نراهم، وندعمهم، ونعيد لهم مكانتهم، أو نخسرهم إلى الأبد. وفي الحالتين، سنحصد ما نزرعه.
فهل آن الأوان أن نلتفت بجدّية إلى هذا الجيل المنسي؟ وهل يملك أصحاب القرار الشجاعة لسماع صوته قبل فوات الأوان؟




