
مؤيد الأمين
لم تكن الصدمة الكبرى في استمرار الحرب السودانية، بل في لحظة انكشاف معناها الحقيقي. فالحروب، حين تطول، لا تُرهق الجبهات فقط؛ إنها تُرهق الروايات التي بُنيت عليها. وهذا ما يعيشه اليوم أولئك الذين آمنوا أن المعركة معركة ثأر نهائي، وأن البنادق خرجت لتعيد العدالة لا لتعيد ترتيب السلطة.
المفارقة الساخرة أن الواقع بدأ يهدم الشعارات ببطء علمي شديد الدقة. فالحرب التي قُدمت باعتبارها حربًا أخلاقية ضد مليشيا خارجة عن الدولة، تحولت فجأة إلى مساحة تفاوض مفتوحة: قادة يعودون، آخرون يُستقبلون، ووجوه كانت تُصوَّر كخطر وجودي تصبح جزءًا من “حضن الوطن” دون محاكمات، دون مساءلة، ودون حتى اعتذار سياسي رمزي.
هنا تبدأ الأزمة النفسية لا السياسية.
لأن الذين دافعوا عن استمرار الحرب لم يبنوا موقفهم على تحليل موازين القوة أو طبيعة الدولة السودانية، بل على شعور عاطفي بالانتقام. ظنوا أن المؤسسة العسكرية تخوض حربًا لاسترداد كرامة الشعب، بينما كانت الوقائع تشير منذ البداية إلى صراع على من يملك الدولة لا على كيفية إنقاذها.
السياسة، بخلاف الخطاب التعبوي، لا تعرف العداوات الأبدية؛ تعرف فقط المصالح المتغيرة. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يتحول “العدو المطلق” إلى حليف محتمل بمجرد تغيّر الحسابات. المستغرب الوحيد هو استمرار الدهشة لدى من صدّقوا الرواية الأولى حرفيًا.
إن ما يحدث اليوم يكشف قاعدة كلاسيكية في علم الصراعات: عندما تختفي لغة العدالة وتظهر لغة الاستيعاب السياسي للمقاتلين، فهذا يعني أن الحرب لم تكن أصلًا لأجل الضحايا، بل لأجل إعادة هندسة السلطة.
وهنا يصبح السؤال الساخر مشروعًا:
إذا كانت العودة إلى الصف الوطني تُكافأ، فهل سيُكافأ من حاول إيقاف الحرب أصلًا؟ هل سيُستقبل دعاة السلام كما استُقبل حملة السلاح؟ هل سيعود عبدالله حمدوك باعتباره رجلًا حاول إنقاذ البلاد سياسيًا، أم أن معيار القبول أصبح مرتبطًا فقط بمن حمل البندقية؟
الإجابة يعرفها الجميع، لكنها محرجة.
المشكلة الحقيقية ليست في تبدل التحالفات، فهذا جزء طبيعي من أي صراع. المشكلة في آلة إعلامية صنعت وعيًا قائمًا على التخويف والتعبئة الدينية والسياسية، ثم تركت جمهورها بلا تفسير حين تغيّرت الوقائع. الإعلام الذي بنى الحرب على خطاب أخلاقي مطلق، وجد نفسه فجأة مضطرًا لتبرير المصالح البراغماتية نفسها التي كان ينكرها.
وهنا يظهر التناقض الكبير:
من دعا لإيقاف الحرب اتُّهم بالخيانة، بينما من قاتل ثم عاد بلا محاسبة يُقدَّم باعتباره وطنيًا جديدًا.
إنها ليست مأساة سياسية فقط، بل مأساة وعي.
الحل لا يبدأ بإدانة الأفراد، بل بإعادة الاصطفاف حول فكرة الدولة المدنية نفسها. الاصطفاف السليم يعني الانتقال من عقلية الثأر إلى عقلية العدالة، ومن الاصطفاف خلف السلاح إلى الاصطفاف خلف مشروع سياسي يوقف إنتاج الحروب كوسيلة حكم.
الحروب التي تُدار بالدعاية تشبه أصحابها: صاخبة في البداية، فارغة في النهاية. وما ينكشف اليوم في السودان ليس خيانة مفاجئة، بل الحقيقة التي كانت ظاهرة منذ اليوم الأول: لم تكن المعركة ضد مليشيا بقدر ما كانت ضد الثورة نفسها وضد إمكانية قيام سلطة مدنية مستقلة.
السؤال الآن ليس لماذا تبدلت المواقف، بل لماذا يصر البعض على تجاهل ما يراه بعينيه.
فالخروج من الحرب يبدأ لحظة الاعتراف بأن الحلم الذي بيع للجمهور لم يكن مشروع وطن… بل مشروع سلطة.




