رأي

الحكم المركزي ودوره فى تقسيم السودان

مليح يعقوب - باحث فى إدارة التنوع بالمركز الإفريقي للديمقراطية والتنمية

للحكم المركزي دور كبير فى تقسيم السودان وتدمير مجتمعاته وتمزيق هويّاته على مدى التواريخ والأزمان. وهو الدينمو المحرّك للصراعات منذ عهد الحضارات القديمة مرورا بالعهد الثنائي التركى المصرى وصولّا للمهدية وختامًا بدولة 56 والتى مرّت بعدد من التجارب المركزيّة الفاشلة ثم انّتهت بكابوس الحركة الإسلامية. فالمركزيّة القابضة قد ولىّ زمانها وأصبحت مصدر للفرقة والشتات لعدم مواكبتها لتركيبة السكان و نعتبرها من جملة الأسّباب التى ساهمت فى تفتيت الحضارات الكوشية والنوبيّة والفرعونية و تحوّلها إلى عدد من الممالك والسلطنات والمشيخات و الدويّلات والتي قد تناثرت هنا وهناك مع احتفاظها ببعض العلائق التجارية والتاريخية. وأما بالنسبة للسودان المعاصر فقد أنّشأه الاحتلال الأجنبي التركي المصري( 1821م_1885 م) والذي قد تمكّن من تجميع الممالك الإسلامية والمسيحية تحت مظلة السودان الحديث . وقد إنّطلقت الثورة المهدية (1885م _1889 م) من الأبيّض بأوّل جيش وطني موحّد وقامت بطرد المستعمر و تثبيت التراب. وقد تلتها حقبة الإستعمار البريطاني المصري (1889م _1956 م) و يعتبر عبد الرحمن دبكة هو اوّل من طالب باستقلال السودان من داخل البرلمان. و الحديث عن دولة 56 يجب أن لا يتم بمعذل عن تلك المراحل التي قد اعتمدت على الحكم المركزي ومارست التهميش والاضّطهاد وعانت من الانقسامات والغزوات وتأثرت بالهجرات الكبيرة التي ضربت العالم فترة من الفترات وانتشرت بداخلها الحروب و النزاعات فألقت بظلالها على المشهد الراهن ونذكر منها على سبيل المثال:(دولة المقرّة و الداجو والتنجر والخزام وسنار والفونج والفور والعباسية وتقلي و ما إلى ذلك) .ففرعون مثلا هو أوّل من طغى وتجبّر وقال أنا ربّكم الأعلى .و تاجرت دولة المقرّة بالرق عبر إتفاقية البقط الموقّعة مع مصر في العام 651 بعد الميلاد و بنت صروحها وأمجادها عبر منظومة الاقتصاد الطفيلى وذاب فى داخلها عرب الشمال فورثوا عنها امتيازاتهم التاريخية.و قد برز اسم الجلّابة مع بداية العهد التركي المصرى وكان من أبرزهم الزبير باشا تاجر الرقيق المشهور على مستوي العالم. وقد اختلف الأشراف (آل البيت) مع الإمام المهدي والخليفة التعايشى حول من يَحكم السودان؟ وليس حول كيف يُحكم السودان ؟ ومنذ تلك اللحظة طغى صراع المركز والهامش على المسرح السياسى السودانى وظهرت تجليّاته فى الأحاجي و الخرافات والقصص و الأمثال التي يضربها اهل الشمال ومن ضمنها :(الجاي من الغرب ما بسر القلب) وفى أشعار الخليفة :(نحن التعايشة عيال النبي عيسى أدّبنا الإنجليز عيون الكديس والجلّابة وونستهم التعيّسة شرّابين المريسة) وفى رسائله :(لا يغرنّك إنتصارك على الجعليين والشايقيّة فنحن الملوك وهم الرعيّة) وهكذا انتشر الصراع بين المركز والهامش وعلى جميع مستوياته الرأسية و الأفقية إلى الدرجة التي جعلت كل مواطن يرى نفسه بإنه يمثّل هامش لأخيه الآخر الذي يعيش معه فى نفس الإقليم. و بعد أن نال السودان استقلاله في العام 1956م سيّطرت النخبة النيلية على معظم مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. وبالعودة لممالك الداجو بوصفها من ضمن المراحل التاريخية السابقة لدولة 56 نجد أن السلطان كسوفورو قد قهر مواطنيه ومارس عليهم شتى أشكال الظلم و الاستعباد ثم أمرهم بنقل جبل أم كردوس من دارفور وضمه الى اخوانه التسعة وتسعين ولما عجز الناس عن التخلّص منه، وضع الله سره فى أضعف خلقه، حيث تمكّنت امرأة من إقناعه على ركوب التيتل فهربت به وتسببت فى وفاته ومن ثم انهارت مملكته. و فى خضم تلك الصراعات نشبت الحرب فى داخل مملكة الخزام التي استمرت لما يقارب ال 200 عام ثم انهارت عام 1510م بسبب الناقة التي استولى عليها السلطان شرنقو من أبناء عمومته الجنيديين ،وهكذا ينطبق الحال علي بقية الممالك و الدويلات والسلطنات والمشيخات السودانية الأخرى والتى قد نشئت كل واحدة منها فى ظروف مغايرة للأخري وانقسمت فى داخلها الى مركز وهامش وتابع ومتبوع و حملت في داخها عوامل انهيارها.وبناءًا على ما سبق نرى أن دولة 56 عبارة عن امتداد طبيعي لسلاسل التهميش والاضطهاد التى كان يمارسها حكام السودان الأقدمين و لا يمكننا القاء اللوم عليهم جميعًا بقدر ما نرميه على دولة 56 لكونها تمثّل النسخة الحديثة من دولة المركز وقد واكبت التطور الحاصل فى العالم الجديد ولم تستلهم العبر والدروس من تجاربها السابقة ولم تكلّف نفسها عناء البحث عن الإجابة على السؤال المطروح منذ العام 1956م والذي يقول :(كيف يُحكم السودان ؟) ولا يمكننا رمى اللوم على الحضارات الكوشية والنوبيّة والفرعونية بوصفها جزء من العصور التقليدية أو الوسطي أو المظلمة .ونرى فى إصرار النخبة النيلية على تطبيق الحكم المركزي دعوة لتقسيم السودان والذي يعتبر دولة مترامية الأطراف وشاسعةالمساحات وغير متجانسة ثقافيا وعرقيا ويصعب إدارتها من سلطة مركزية قابضة وإن أفضل وسيلة لإدارتها هي الفيدرالية والعلمانية والديمقراطية والتنمية المتوازنة وأي خيار غير ذلك يعتبر تحصيل حاصل وإعادة لإنتاج الأزمة من جديد.ونرى أن المشكلة الحقيقية التي يواجهها السودانيون قد انحصرت فى عنصرين.فالعنصر الاول يتمثّل فى بعض من أبناء الشمال والوسط الذين يتوهمون بأنهم أسياد البلد وعليهم أن يحمكوها للأبد وأما العنصر الثانى فيتمثّل فى بعض من أبناء الهامش المعروفين بالفلنقويات أو الفلاقنةو الذين يصعب عليهم التحرر من عبودية المركز.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!