رأي

هزيمة بـ17 هدفًا: كيف اصبحت الرياضة السودانية ضحية للأزمة الوطنية؟

السفير عادل إبراهيم مصطفي

 

السفير عادل إبراهيم مصطفي

لم تكن خسارة المنتخب السوداني للسيدات أمام منتخب جزر القمر بسبعة عشر هدفًا دون مقابل مجرد هزيمة ثقيلة في مباراة لكرة القدم، بل كانت فضيحة رياضية كاملة الأركان كشفت أمام الرأي العام حجم الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة السودانية خلال السنوات الأخيرة.

فالنتائج الكبيرة تحدث في كرة القدم، لكن أن يصل منتخب وطني يمثل السودان إلى هذه الدرجة من العجز التنافسي، فذلك أمر لا يمكن عزله عن الواقع السياسي والإداري الذي تعيشه البلاد في ظل دولة انقلاب 25 أكتوبر 2021. فالمشكلة ليست في اللاعبات اللاتي دخلن الملعب بما توفر لهن من إمكانات محدودة، وإنما في المنظومة التي أوصلتهن إلى هذه المواجهة دون إعداد حقيقي، أو دعم مؤسسي، أو رؤية رياضية واضحة.

لقد تحولت الرياضة السودانية، شأنها شأن كثير من مؤسسات الدولة، إلى ضحية مباشرة للحروب والصراعات على السلطة. فمع انشغال قيادة الجيش بإجهاض أحلام السودانيين في التحول نحو الحكم المدني الديمقراطي، تراجعت قضايا التعليم والصحة والثقافة والرياضة إلى ذيل قائمة الأولويات. ولم يعد السؤال المطروح هو: كيف يحقق السودان إنجازًا رياضيًا؟ بل أصبح: كيف يمكنه المحافظة على الحد الأدنى من حضوره ومكانته في المنافسات الإقليمية والقارية؟

ولا شك أن الاتحاد السوداني لكرة القدم يتحمل جزءًا من المسؤولية عن هذا الإخفاق المهين، لكن تحميله وحده كامل المسؤولية يمثل تبسيطًا مخلًا للمشكلة. فالرياضة لا تنمو في فراغ، وإنما تزدهر في ظل دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وسياسات عامة تمنح الشباب والمرأة والرياضة ما تستحقه من اهتمام. أما في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح الجماعي وتفكك مؤسسات الدولة، فإن التراجع الرياضي يصبح نتيجة طبيعية لا استثناءً.

لقد أصبحت صورة السودان في المحافل الخارجية مرتبطة بأخبار الحرب والدمار والانقسام، وها هي الرياضة تضيف مشهدًا آخر من مشاهد التراجع الوطني. وما جرى في هذه المباراة ليس سوى عرضٍ من أعراض أزمة أعمق يعيشها السودان منذ أن صادرت قيادة الجيش مسار التحول الديمقراطي، سعيًا إلى إعادة إنتاج نظام حكم رفضه الشعب، لتدخل البلاد في أزمة سياسية خانقة انتهت إلى هذه الحرب اللعينة التي دمرت الوطن وشردت الملايين من أبنائه.

إن رقي الشعوب لا يُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تملكه من مؤسسات قادرة على إدارة تلك الموارد وتحويلها إلى إنجازات ملموسة. والسودان لم يكن يومًا بلدًا فقيرًا بالمواهب الرياضية، لكنه أصبح بلدًا منهكًا بسوء الإدارة، وغياب الرؤية، واستحواذ المؤسسة العسكرية على المجال العام على حساب أولويات التنمية والبناء.

ومن الخطأ النظر إلى هذه النتيجة باعتبارها مجرد حادثة رياضية عابرة؛ فهي في حقيقتها رسالة سياسية واجتماعية تقول إن الأزمة التي تضرب السودان اليوم لا تقتصر على ساحات القتال أو أروقة الحكم، بل امتدت إلى الملاعب والجامعات والمستشفيات، وإلى كل مؤسسة يُفترض أن تعبر عن حيوية المجتمع وقدرته على التقدم.

ولهذا، فإن إعادة الاعتبار للرياضة السودانية لا تنفصل عن معركة السودانيين من أجل استعادة دولتهم المدنية الديمقراطية. فالإصلاح الرياضي الحقيقي لن يتحقق عبر تبديل الإداريين أو تغيير الأجهزة الفنية فحسب، وإنما عبر إنهاء الحرب، وإنهاء الحكم الانقلابي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والشفافية والمساءلة.

وعندها فقط يمكن للسودان أن يبدأ رحلة التعافي، ليس في السياسة والاقتصاد وحدهما، بل في الرياضة أيضًا، وأن تعود المنتخبات الوطنية رمزًا للأمل والوحدة الوطنية، بدلًا من أن تصبح شاهدًا جديدًا على حجم الانهيار الذي أصاب البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!