رأي

البراغماتية وإعادة تشكيل المصالح في زمن الحروب: قراءة فلسفية في الحالة السودانية

البراغماتية وإعادة تشكيل المصالح في زمن الحروب: قراءة فلسفية في الحالة السودانية

بقلم: دكتور مهدي سعيد

مقدمة

لا تُقاس الحروب بحجم الدمار المادي والبشري الذي تخلّفه فحسب، بل بقدرتها على إحداث تحولات عميقة في بنية الدولة والمجتمع، وإعادة تشكيل منظومات القوة والنفوذ والمصالح التي تحكم سلوك الفاعلين على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. ففي لحظات الصراع الكبرى تتبدل الأولويات، وتُختبر التحالفات، وتفقد كثير من المسلمات السياسية صلابتها أمام ضغوط الواقع وإكراهات البقاء.

وفي هذا السياق، تبرز البراغماتية بوصفها إحدى أكثر المقاربات الفكرية قدرة على تفسير السلوك السياسي في أزمنة الأزمات. فالدول والجماعات لا تتحرك دائماً وفق ما تعلنه من مبادئ أو شعارات، بقدر ما تخضع لحسابات القوة وتوازنات المصالح. وبين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية تتشكل مساحة تحليلية واسعة لفهم ديناميات الصراعات وإدراك الدوافع الحقيقية الكامنة وراء القرارات والتحالفات والتحولات الكبرى.

وتوفر الحرب السودانية نموذجاً دالاً على هذه الإشكالية؛ إذ كشفت، منذ اندلاعها، عن واقع سياسي بالغ التعقيد تتداخل فيه الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. كما أظهرت كيف يمكن للنزاعات الممتدة أن تتحول من مجرد مواجهات عسكرية إلى عمليات مستمرة لإعادة توزيع النفوذ وإعادة إنتاج المصالح، بما يجعل فهمها يتطلب مقاربة تتجاوز الحدث العسكري إلى البنية السياسية والفكرية التي تحكم مساره وتحدد مآلاته.

أولاً: من الفكرة إلى الممارسة

تستند البراغماتية إلى فكرة محورية مفادها أن قيمة الأفكار تُقاس بآثارها العملية ونتائجها الملموسة. ومن هذا المنطلق، لا تنظر إلى الواقع من زاوية المثاليات المجردة، بل من زاوية الجدوى وإمكانية الإنجاز ضمن الشروط القائمة.

وعندما تنتقل هذه الرؤية إلى المجال السياسي، تصبح القرارات محكومة بحسابات الكلفة والعائد، وبالقدرة على المحافظة على النفوذ أو تعزيزه. وفي أوقات النزاعات المسلحة تتراجع الاعتبارات النظرية أمام الضرورات الميدانية، لتغدو المصلحة المحدد الرئيس لسلوك الأطراف المختلفة.

ثانياً: تحولات المشهد السوداني

أنتجت الحرب في السودان مشهداً سياسياً يتسم بدرجة عالية من التحول وعدم الاستقرار، اتخذت فيه مواقف الفاعلين السياسيين والعسكريين أشكالاً متغيرة تبعاً لتقلبات الميدان وتبدل موازين القوة. ومع امتداد الصراع، برزت أولويات جديدة فرضتها الوقائع أكثر مما فرضتها البرامج السياسية أو المرجعيات الفكرية.

وبذلك، لم يعد تفسير الأحداث ممكناً بالاستناد إلى الشعارات وحدها، بل أصبح فهم المصالح المتحركة ضرورة لفهم طبيعة الاصطفافات والتحالفات. فالصراع لم يقتصر على السيطرة العسكرية، بل امتد إلى التنافس حول الموارد ومصادر النفوذ والمواقع المؤثرة في مستقبل الدولة السودانية وشكلها السياسي القادم.

ثالثاً: تداخل المصالح خارج الحدود

لا يمكن قراءة الأزمة السودانية بمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي. فالموقع الجيوسياسي للسودان، وارتباطه بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يمنحانه أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده الوطنية، وتجعله جزءاً من معادلات أمنية واقتصادية وجيوسياسية أوسع.

ولهذا لا يمكن فهم مواقف القوى الخارجية دون النظر إلى حساباتها المرتبطة بالنفوذ والاستقرار الإقليمي وممرات التجارة والتوازنات الاستراتيجية. ومن ثم أصبح الصراع السوداني ساحة تتشابك فيها أجندات متعددة، الأمر الذي أضفى على الأزمة مستويات إضافية من التعقيد، وجعل فرص التسوية السياسية رهينة لتوافقات تتجاوز الإطار الداخلي.

رابعاً: بين القيمة والمنفعة

تكشف التجربة السودانية عن واحدة من أكثر الإشكالات حضوراً في الفكر السياسي، وهي العلاقة المعقدة بين الأخلاق والمصلحة. فبينما تتصدر مفردات العدالة والسيادة والوطنية الخطابات العامة، تظل الاعتبارات العملية حاضرة بقوة في توجيه القرارات وصياغة التحالفات.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً كلما طال أمد الصراع، حيث تتعرض المبادئ لإعادة التأويل بما ينسجم مع متطلبات الواقع السياسي. وعند هذه النقطة لا تختفي القيم من المجال العام، لكنها تتحول في كثير من الأحيان إلى جزء من خطاب الصراع وأدواته، بقدر ما تمثل مرجعية أخلاقية له.

ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي الجوهري: إلى أي مدى تستطيع السياسة المحافظة على بعدها الأخلاقي عندما تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ضرورات البقاء وتوازنات القوة؟ وهو سؤال لا يخص السودان وحده، بل يلامس جوهر الممارسة السياسية في مختلف المجتمعات التي تعيش أزمات وجودية وحروباً ممتدة.

خامساً: اقتصاد الحرب وإعادة إنتاج الأزمة

من أبرز التداعيات التي تفرزها النزاعات طويلة الأمد نشوء مصالح اقتصادية وسياسية ترتبط باستمرار الصراع أكثر من ارتباطها بإنهائه. فمع مرور الوقت تتكون شبكات نفوذ جديدة تستفيد من ظروف الحرب، سواء من خلال التحكم في الموارد أو إدارة مسارات التجارة أو توسيع مجالات السيطرة والنفوذ.

وفي مثل هذه البيئات، تتحول الحرب تدريجياً من وضع استثنائي إلى واقع منتج للمصالح، بحيث يصبح إنهاء الأزمة مهدداً لمكاسب تكونت خلال سنوات الصراع. ولهذا السبب غالباً ما تواجه مبادرات السلام تحديات معقدة تتجاوز الجوانب العسكرية إلى تفكيك البنى الاقتصادية والسياسية التي نشأت في ظل الحرب واستمدت استمرارها منها.

وقد أظهرت تجارب دولية عديدة هذه الظاهرة بوضوح. ففي الصومال أسهمت عقود الاضطراب في نشوء شبكات اقتصادية ارتبط نفوذها بضعف مؤسسات الدولة، بينما شهدت أفغانستان خلال سنوات النزاع الطويلة تشكل مصالح معقدة استفادت من اقتصاد الحرب واستمرار حالة عدم الاستقرار. كما برزت أنماط مشابهة في أجزاء من جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث ارتبطت بعض أشكال العنف المسلح بالسيطرة على الموارد الطبيعية ومسارات التجارة غير النظامية. وتؤكد هذه النماذج أن وقف العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء مسببات الصراع، ما لم تُعالج الهياكل الاقتصادية والسياسية التي وجدت في الحرب بيئة مواتية لاستمرارها.

خاتمة

تكشف الحرب السودانية أن الصراعات الكبرى لا تعيد رسم خرائط السيطرة والنفوذ فحسب، بل تعيد أيضاً صياغة مفهوم المصلحة ذاته. فالتحولات التي فرضها النزاع لم تقتصر على المشهد العسكري أو السياسي، وإنما امتدت إلى إعادة تشكيل العلاقات بين القوى الفاعلة وإعادة تعريف أولوياتها في ضوء واقع بالغ التعقيد والتحول.

ومن منظور فلسفي، تمثل هذه التجربة نموذجاً واضحاً للتوتر المستمر بين القيم والمصالح في المجال السياسي. فكلما ازدادت حدة الأزمات، برزت حسابات الكلفة والعائد بوصفها عاملاً حاسماً في صناعة القرار، بينما تجد المبادئ نفسها أمام اختبار دائم بين الالتزام النظري ومتطلبات الواقع. وفي هذه المساحة تحديداً تبدو البراغماتية أداة تفسيرية فاعلة لفهم ما يجري خلف الخطابات المعلنة والشعارات السياسية.

غير أن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بنتائج الحرب، وإنما بقدرته على تجاوز الإرث الذي خلّفته. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وقف القتال وحده، بل في بناء مشروع وطني يستند إلى المصلحة العامة بوصفها إطاراً جامعاً، ويحد من هيمنة المصالح الفئوية والاعتبارات قصيرة المدى، ويؤسس لشرعية سياسية قائمة على المشاركة والتنمية والاستقرار. وعندها فقط يمكن الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!