مجلس الأقاليم (تأسيس) واستحقاقات المرحلة الجديدة…. نحو ترسيخ الحكم اللامركزي وبناء دولة المؤسسات
جمعة حراز يكتب

جمعة حراز يكتب
يمثل استئناف جلسات مجلس الأقاليم خطوة دستورية مهمة في مسار استكمال بناء مؤسسات الدولة، إذ تنتظر المجلس حزمة من القوانين المفصلية، في مقدمتها قانون الحكم اللامركزي وقانون تحصيل وقسمة الإيرادات المالية. وهذه التشريعات ليست قوانين إجرائية فحسب، بل هي الأساس الذي سيحدد شكل الدولة، وطبيعة العلاقة بين مستويات الحكم، وآليات توزيع السلطة والثروة، بما يضمن الاستقرار السياسي والإداري ويحقق التنمية المتوازنة.
إن نجاح أي نظام للحكم اللامركزي يبدأ بوضوح النصوص الدستورية والقانونية، وتحديد الاختصاصات دون غموض أو تداخل. فغياب الحدود الفاصلة بين السلطات يؤدي إلى تضارب القرارات، ويضعف كفاءة الأداء التنفيذي، ويخلق نزاعات بين مؤسسات الدولة، وهو ما يتعارض مع فلسفة اللامركزية القائمة على توزيع السلطة وفق قواعد دستورية دقيقة.
ويُنتظر من قانون الحكم اللامركزي أن يحدد بصورة قاطعة سلطات الحكومة الاتحادية، واختصاصات حكومات الأقاليم، وصلاحيات الإدارة المحلية، مع بيان الاختصاصات الحصرية والاختصاصات المشتركة، وآليات التنسيق والتعاون بينها، حتى يعمل كل مستوى من مستويات الحكم في نطاق مسؤولياته دون تجاوز أو تضارب.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن يحدد القانون مهام واختصاصات حكام الأقاليم باعتبارهم رؤساء السلطات التنفيذية في أقاليمهم، والمسؤولين عن تنفيذ السياسات العامة، وإدارة الأجهزة التنفيذية، والإشراف على الأمن والخدمات والتنمية، وتنفيذ القوانين والإشراف على الموارد المالية للإقليم وفق الدستور والقانون.
كما يجب أن ينظم القانون العلاقة بين حكام الأقاليم ورئيس مجلس الوزراء على أساس التكامل لا التبعية المطلقة أو الاستقلال المنفصل. فرئيس مجلس الوزراء يقود السلطة التنفيذية القومية، ويشرف على تنفيذ السياسات الاتحادية، بينما يتولى حكام الأقاليم تنفيذ تلك السياسات داخل أقاليمهم بما يتوافق مع خصوصيات كل إقليم واختصاصاته الدستورية، في إطار من التنسيق المؤسسي والاحترام المتبادل للسلطات.
وإذا كان حكام الأقاليم أعضاء في مجلس السيادة، فإن هذه العضوية تمنحهم دوراً في صناعة القرار السيادي والقضايا الوطنية الكبرى، لكنها لا ينبغي أن تؤثر على طبيعة مسؤولياتهم التنفيذية داخل الأقاليم، حتى لا تختلط الوظيفة السيادية بالاختصاص التنفيذي. فوضوح هذا الفصل يمثل ضمانة لاستقرار مؤسسات الدولة، ويمنع تضارب مراكز اتخاذ القرار.
ويبرز قانون تحصيل وقسمة الإيرادات المالية بوصفه الضامن الحقيقي لنجاح اللامركزية. فاستقلال الأقاليم والمحليات لا يتحقق بمجرد منحها سلطات إدارية، وإنما بتمكينها من موارد مالية كافية ومستقرة. ولذلك يجب أن تستند قسمة الإيرادات إلى معايير موضوعية، تراعي عدد السكان، والمساحة، ومستوى التنمية، وحجم الإنتاج، واحتياجات إعادة الإعمار، بما يحقق العدالة ويعزز التنمية المتوازنة بين الأقاليم.
ومن الضروري كذلك أن يضع القانون آليات مؤسسية واضحة للتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم، من خلال مجالس مشتركة ولجان دائمة للتخطيط المالي والإداري، بما يضمن وحدة السياسات العامة، ويمنع تضارب القرارات، ويعزز الشراكة في إدارة الشأن العام.
ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء آلية دستورية واضحة لفض تنازع الاختصاصات بين مستويات الحكم. فكل تجربة للحكم اللامركزي تحتاج إلى جهة مستقلة تفصل في النزاعات التي قد تنشأ بين الحكومة الاتحادية والأقاليم أو بين الأقاليم نفسها. ويمكن أن تضطلع المحكمة الدستورية بهذا الدور من خلال تفسير النصوص الدستورية والفصل في المنازعات المتعلقة بالاختصاصات، بينما يمارس مجلس الأقاليم دوراً سياسياً وتشريعياً في معالجة القضايا ذات الطبيعة الاتحادية، واقتراح الحلول التي تعزز التعاون بين مستويات الحكم.
كما ينبغي النص على وسائل للتسوية الودية والتشاور المؤسسي قبل اللجوء إلى القضاء الدستوري، حفاظاً على استقرار الدولة وسرعة معالجة الخلافات، وترسيخاً لثقافة التعاون بدلاً من الصراع بين المؤسسات.
ولا يمكن للحكم اللامركزي أن يحقق أهدافه في ظل النزاعات المسلحة أو غياب الاستقرار. ولذلك فإن بناء السلام، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين، وتعزيز التعايش الاجتماعي، وإنفاذ القانون، تمثل ركائز أساسية لنجاح هذا النظام، إلى جانب الإدارة الرشيدة للتنوع الثقافي والاجتماعي، وترسيخ مبادئ المواطنة وسيادة القانون.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإرساء نموذج حديث للحكم، يقوم على توزيع عادل للسلطات والثروات، ويمنح الأقاليم دوراً حقيقياً في إدارة شؤونها، مع الحفاظ على وحدة الدولة وقوة مؤسساتها.
ولذلك فإن نجاح قانون الحكم اللامركزي لن يقاس بعدد الصلاحيات التي يمنحها، وإنما بقدرته على بناء علاقة متوازنة بين المركز والأقاليم، وتحديد المسؤوليات بدقة، وضمان عدالة توزيع الموارد، وإنشاء مؤسسات قادرة على التنسيق وفض النزاعات الدستورية، بما يؤسس لدولة مؤسسات راسخة، تحقق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة للأجيال القادمة.
جمعة حراز :ضابط إداري
9 يوليو 2026م
شرق دارفور – الضعين




