عالم عباس يكتب: وداعا حيدر إبراهيم علي

وداعا حيدر إبراهيم علي
بقلم: عالم عباس
آخر عهدي به قبل عامين، زرناه، أنا وعبد العزيز بركة في منزله بالقاهرة. كان قد أقعده المرض فلم يعد قادراً على القيام، رغم المطارف والحشايا التي كانت حوله وتسند ظهره، يجاهد أن يعانقنا في مودة وترحاب عرف بهما وبالوجه الطلق والابتسامة المضيئة. زوجه الأستاذة حياة، وكانت حياته بحق، تنظر إليه وإلينا بقلق وإشفاق! كانت هذه الزيارات تسعده وتعيد إليه روحه وجسارته، ترى ذلك في حماسته وتهلل وجهه وحرارة تشبثه في عناق أحبابه الزائرين، وكانت ترى أيضاً وهن الجسد وهو يذوي جراء المرض، كأن عينيها تتوسلان إلينا أن نترفق به ونراعي حالته واعتلال جسمه الضاوي، كان كلانا، هو ونحن، قد أنستنا لهفة الشوق والحنين ذاك الحذر الواجب والاحتراز الذي يوجبه الظرف الصحي الدقيق! ننتبه نحن، فنتراجع معتذرين عن إفراطنا! كانت السعادة بزائريه تجعل وجهه يتهلل والدموع تترقرق في مآقيه! كانت زوجه الأستاذة حياة ترجونا ألا نتأخر عنه وأن نكثر من زيارته وهي تقول إنكم لا تتصورون كم يفرح ويرتاح إلى زياراتكم وقد لا تعرفون مقدار سعادته والتغيير الإيجابي الذي يحدثه ذلك في نفسه وفي جو البيت عموما!
كان حديثه المشتعل بالحماسة، ووهن جسده في صراعه مع المرض يجسد لنا قول المتنبي: (إذا كانت النفوس كباراً، تعبت في مرادها الأجسام)! تحدثنا، وللدقة، فقد كان حديثه آنذاك، يتجاوز الوضع المأساوي الذي يغرق فيه الوطن جراء الحرب. ويصوب بدقة نحو شباب ثورة ديسمبر وإيمانه الراسخ بهم وبقدراتهم على إحداث التغيير. عيناه كانتا تشعان ببريق غريب وحماس يسري فينا من خلال كلماته الواثقة، وإيمانه بأن هؤلاء الشباب لن يُهْزَموا أبداً، مهما كان عسف العسكر و”الجنجويد” والذين من خلفهم!
وهو مستلقٍ على ظهره، ظل يحدثنا عن المشروعات الجديدة التي يزمع أن يقوم بها مركز الدراسات السودانية، والمجلة، وتصوره لاستقطاب الشباب واستكتابهم، وعن كتبه التي يعدها للنشر، وعن الآفاق الجديدة التي يتطلع إليها من خلال المركز. تحدثنا، وتبادلنا الحيرة، لغياب اتحاد الكتاب السودانيين عن المشهد، وعهدنا به دائما في السبق الثوري والموقف الطليعي! وانسرب الوقت، بين استرسال الحديث واتصالات الأحبة يطمئنون على صحته وأحواله، والنقاش الجاد في شأن الثقافة والفكر! أُنسينا اللحظات التي سرقها الزمن، ونسينا علل الجسم وروحه المتوثبة وذهنه المتقد، وظل الأمل الضخم في شباب الثورة تشحن أوردة التفاؤل، وتكاد تقيم جسده الواهن!
تسللت الدقائق والسويعات من بيننا سريعاً، كما يحدث دائماً في مثل هذه اللقاءات النادرة! على وعد بزيارة أخرى وفي زمن ماهل، فثمة الكثير مما نود قوله ومناقشته وبخاصة مع أصدقاء، تواعدنا أن نلتقي عنده وحالت ظروفهم الطارئة فلم يلحقوا بنا حتى غادرنا على عزم ووعد بلقاء قريب!،
كان ذلك آخر عهدي به! غادرت القاهرة، (فارقتها فراق غير وامق)، ولم أعد إليها، حتى (أَصَمّ به الناعي وإنْ كان أسمعا)!
سيُهْرَقُ مِدادٌ غزير على تجربته وجسارته وعناده وجرأته في إنشاء مركز الدراسات السودانية من جهده وعرقه. عَهْدَنا بمثل هذه المراكز أن تنشئها الدول والمؤسسات المالية الضخمة وتنفق عليها بسخاء (إلا في أوطاننا)! أقامه بجهده الفرد وعصاميته، وسكب فيه من عرقه وماله وعصارة فكره، حتى استقام شامخا يرفد الوطن بالبحوث الرصينة والمناقشة العلمية والمحاضرات والندوات ويقدم زبدة الفكر والفن والابداع. تم إنشاء المركز في أحلك الظروف وفي خارج السودان، وكشأن مراكز الاستنارة كان لابد أن يلقي العنت من قبل أهل القمع والديكتاتوريات، فلاقى ما لاقى من بطش نظام الإنقاذ وحورب بشراسة وقسوة، ولكنه صمد وقاوم في بطولة تشبهه، ما بين عسف السلطان، وحسد الحاسدين (وما أكثرهم!)
ستقف الحرب -لا محالة- ذات يوم، عسى أن يكون قريباً. وسيتصدى لتقويم تجربة الدكتور حيدر إبراهيم في مركز الدراسات السودانية، وإنجازه المعرفي، وإسهامه هو نفسه كمفكر وعالم ذي بصيرة، وما أَلَّفَ مِنْ كُتُبٍ وما عَلَّمَ من جيلٍ، وسِعَهُم قبل علمه، بأخلاقه وشجاعته وجسارته.
(بعض الناس يعيشون لتحيا الأفكار بهم ما عاشوا
بعض الناس يموتون لتحيا الأفكار،
فإن ماتوا عاشت)!
ستوقف الحرب. وسيعود الناس إلى الخرطوم، وقد تكون خرطوم أخرى! غير أننا الجيل الذي قد لا يدرك هذه الخرطوم الأخرى، وإن أدركتها فلا يستطيع أن يتصور الخرطوم الثقافية دون اتحاد الكتاب السودانيين، ولا نستطيع أن يتخيل اتحاد الكتاب السودانيين من غير كمال الجزولي! ونتذكر الخرطوم الثقافية فلا نستطيع تخيلها دون مركز الدراسات السودانية، ولا نتصور مركز الدراسات السودانية دون الدكتور حيدر إبراهيم! ستعود الخرطوم الثقافية، ربما، ذات يوم، ولكن أمثالنا لا يتخيلونها دون مركز الخاتم عدلان للاستنارة، ولا نستطيع أن نتخيل المركز دون الدكتور الباقر العفيف (رفعت الأقلام وجفت الصحف)!
الصحيح، أن حواءنا والدة ولكن!
رحم الله العزيز الدكتور حيدر إبراهيم ولمن فقدنا من أحبائنا الذين أدوا دورهم في بسالة وشجاعة وتركوا للأجيال ما يفتخرون به). (أولئك آبائي فجئني بمثلهم)!
عالم عباس /جدة/ أكتوبر/2026




