رأي

البرهان.. القائد الذي فقد بوصلته

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

تناقضات لا تنتهي وانعدام للثقة من بداية الحرب في السودان

منذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل عام 2023، لم يظهر قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان بثبات الموقف أو وضوح الرؤية، بل أظهر تعددًا في الوجوه وتناقضًا في الأقوال والأفعال، حتى بات من الصعب على أي مراقب أو مواطن أن يفهم ما الذي يريده الرجل فعلاً، أو إلى أين يقود البلاد.

لقد تحول البرهان من قائد جيش يفترض فيه الانضباط والالتزام بالعهد، إلى سياسي متلون يبدل مواقفه تبعاً للظروف والمصالح والضغوط. في كل مرة يُطل فيها عبر الإعلام أو في خطابات ميدانية، نسمع خطاباً مختلفاً عما سبقه، حتى كأننا أمام شخصيات متعددة تتحدث من ذات المنبر.

من شعارات الثورة إلى حضن الفلول

عندما خرجت جموع الشعب السودان في ثورة ديسمبر المجيدة، كان البرهان جزءاً من المؤسسة التي ساندت نظام عمر البشير حتى لحظة سقوطه. لكنه حاول لاحقاً التماهي مع روح الثورة، فظهر في خطاباته الأولى بعد سقوط النظام وكأنه نصير للتحول الديمقراطي، متعهداً بتسليم السلطة للمدنيين، والعمل من أجل السودان الجديد، الحر والديمقراطي.

لكن لم تمضِ سوى شهور قليلة حتى انقلب على تلك الوعود، وبدأ في إعادة تمكين عناصر النظام السابق في المؤسسات المدنية والعسكرية، بحجة “الكفاءة والخبرة”، ليتبين لاحقاً أن ما فعله لم يكن سوى خطوة لإعادة إنتاج سلطة الإسلاميين بوجه جديد، واستخدامهم كذراع إعلامي ودعائي لحربه الحالية.

فقد وعد البرهان مراراً بعدم السماح بعودة “الكيزان”، لكنه فتح لهم الأبواب على مصراعيها، حتى صاروا اليوم أذرعه الأساسية في تزييف الوعي، وتحريك الإعلام الموجه، وإطلاق التهديدات ضد كل من يدعو إلى وقف الحرب أو يسعى إلى حل سياسي.

تناقضات الحرب والسلام

حين اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، قال البرهان في الأيام الأولى إن الهدف من العمليات هو “إعادة الأمور إلى نصابها”، وإنها “معركة محدودة ضد تمرد داخلي”، ولن تستمر طويلاً. لكنه بعد أسابيع قليلة عاد ليعلن أنها “حرب وجود”، وأنه “لن يتوقف إلا بعد القضاء الكامل على التمرد”.

ثم عاد في تصريحات أخرى ليقول إنه “منفتح على الحوار”، بل إنه في بعض لقاءاته مع المبعوثين الدوليين أبدى استعداده لـ”وقف إطلاق النار”، لكنه في الوقت ذاته كان يرفض أي مبادرة تتحدث عن وقف شامل أو هدنة إنسانية، بحجة أنها “تمنح العدو فرصة لإعادة تنظيم صفوفه”.

هذا التناقض لم يكن مجرد ارتباك سياسي، بل استراتيجية مقصودة لإطالة أمد الحرب، وإبقاء البلاد رهينة الفوضى، ليبقى هو ومن حوله في موقع السلطة، وتحت مظلة “الشرعية العسكرية”.

البرهان في مواجهة نفسه

من أكثر ما يميز شخصية البرهان خلال هذه الحرب، أنه لم يثبت على موقف واحد تجاه القوى السياسية والمدنية. فقد وصف “قوى الحرية والتغيير” في مرحلة بأنها شريكة في الثورة، ثم عاد ليصفها بأنها “عميلة” و”غطاء للدعم السريع”.

بل إنه في بعض خطاباته، ألقى باللوم على المدنيين في إشعال الحرب، وفي أخرى تحدث عن أنه مستعد للجلوس معهم من جديد لبناء دولة مدنية بعد انتهاء المعارك!

هذا الاضطراب في الموقف جعله يفقد مصداقيته تماماً أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. حتى المجتمع الدولي، الذي كان يتعامل معه في البداية باعتباره طرفاً شرعياً، صار الآن يرى فيه عقبة أمام أي حل سياسي، لأنه ببساطة لا يلتزم بأي اتفاق ولا يحترم أي تفاهم.

البرهان بين جوبا والقاهرة وبورتسودان

تنقّل البرهان بين العواصم منذ اندلاع الحرب كان أشبه برحلة ضياع.

في البداية، لجأ إلى القاهرة التي منحته الغطاء السياسي والدبلوماسي، لكنه عاد منها بخطاب مختلف، إذ قال إنها “تدعم الجيش في حربه ضد المرتزقة”، بينما كانت القاهرة تحاول الظهور بمظهر الوسيط.

ثم انتقل إلى جوبا في جنوب السودان، متحدثاً عن “رغبة في السلام”، لكنه ما لبث أن هاجم الوساطات الإقليمية ووصف بعضها بأنها “غير محايدة”.

أما في بورتسودان، فقد نصب نفسه رئيساً فعلياً للدولة، وأقام فيها مجلساً سيادياً مشوهاً لا يملك أي سلطة حقيقية، سوى إصدار البيانات العسكرية التي تكرر نفس الخطاب القديم عن “التحرير والنصر القريب”، بينما تنهار البلاد في الواقع ويُقتل المدنيون يومياً بالجوع والقصف والنزوح.

كل ذلك يؤكد أن البرهان لا يمتلك رؤية واضحة، وأن تحركاته الخارجية لم تكن سوى هروب متكرر من الفشل الداخلي، ومحاولة للبحث عن شرعية مفقودة في الخارج.

غياب القيادة وانهيار الثقة داخل المؤسسة العسكرية

حتى داخل الجيش نفسه، لم يعد البرهان يحظى بالإجماع أو الثقة المطلقة.

كثير من ضباط القوات المسلحة يرون أن القرارات التي تُتخذ اليوم ليست مهنية، بل سياسية، وأنها تخدم فئة محددة من الإسلاميين الذين عادوا بقوة إلى مفاصل القرار العسكري.

كما أن تضارب تصريحات القادة العسكريين — من شمس الدين كباشي إلى ياسر العطا وغيرهما — يكشف حجم الانقسام داخل القيادة. فكل واحد منهم يتحدث بخطاب مختلف، ويصدر وعوداً لا تنفذ، ويتهم الآخر بالتقصير، بينما يكتفي البرهان بالصمت أو المراوغة.

الجيش الذي كان يوماً رمزاً للوحدة والانضباط، تحول اليوم إلى أداة بيد مجموعة صغيرة تحكمها المصالح الذاتية والولاءات القديمة، لا المصلحة الوطنية.

كتيبة الإعلام الإسلامي.. سلاح البرهان الموجه ضد الشعب

لا يمكن الحديث عن تناقضات البرهان دون التطرق إلى آلة الدعاية الكيزانية التي تعمل خلفه.

منذ الأيام الأولى للحرب، نشطت كتائب إلكترونية ضخمة مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني المحلول، تروج لخطاب الكراهية، وتهاجم كل من ينتقد البرهان أو يدعو إلى وقف الحرب.

تستخدم هذه الكتائب أساليب التضليل، وفبركة الأخبار، وتزييف الحقائق الميدانية، وتضخيم “انتصارات الجيش” الوهمية، في حين تتجاهل المآسي الإنسانية والانتهاكات التي تحدث ضد المدنيين.

لقد وجد البرهان في هؤلاء الإسلاميين ملاذاً إعلامياً يسوق له الوهم، ويغطي على عجزه السياسي والعسكري.

لكن في المقابل، صار ارتباطه بهم عبئاً ثقيلاً، لأنهم يمثلون في نظر الشعب رموز الفساد والاستبداد، والعودة إليهم كانت بمثابة إعلان رسمي لانهيار مشروع الثورة وعودة دولة التمكين من جديد.

البرهان.. لا ضمان ولا عهد

كل من تعامل مع البرهان، سواء من قوى داخلية أو وسطاء دوليين، يدرك أنه لا يمكن الوثوق به.

فهو لم يلتزم بأي اتفاق أو وعد قط.

وقع على اتفاق جوبا ثم تنصل منه.

وافق على إعلان سياسي مع المدنيين ثم انقلب عليه.

تعهد بعدم ترشح العسكريين للسلطة ثم صار هو الحاكم المطلق.

أعلن أنه مع “وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية” ثم أمر بالقصف بعد ساعات من التوقيع.

حتى تصريحاته عن “الانتخابات” و”العودة إلى الحكم المدني” لا تعدو كونها مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي، الهدف منها كسب الوقت وتجميل الصورة أمام المجتمع الدولي.

البرهان اليوم يمثل حالة من اللااستقرار السياسي واللايقين، ليس فقط في مواقفه، بل حتى في خطابه الشخصي. فهو القائد الذي لا يُعرف متى يصدق، ومتى يتراجع، ومتى يقرر مصير البلاد.

وطن ينزف وقائد يهرب من المسؤولية

بينما تتوسع رقعة الحرب وتنهار الخدمات وتتفشى المجاعة في مناطق عدة من السودان، يعيش البرهان في عزلة سياسية متزايدة.

لم يعد يمتلك التأثير على الأرض كما كان، ولم يعد صوته مسموعاً خارج دائرة محدودة من الموالين له.

حتى بياناته العسكرية الأخيرة صارت تثير السخرية أكثر مما تثير الحماس، لأنها تتحدث عن “النصر القريب” في وقت يعرف فيه الجميع أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة، لا رابح فيها سوى تجار السلاح والمتنفذين من النظام السابق.

وفي الوقت الذي يموت فيه المواطنون جوعاً ونزوحاً، يخرج البرهان في خطاباته المكررة ليتحدث عن “صمود القوات”، دون أن يذكر كلمة واحدة عن معاناة الشعب أو عن خطط لإغاثة المدنيين أو لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

ختاماً: السودان بين وهم الزعامة وحقيقة الخيانة

لقد أثبتت الأحداث منذ بداية الحرب أن البرهان ليس رجل دولة ولا زعيم وطني، بل مجرد قائد عسكري تورط في لعبة أكبر منه، يحركه الإسلاميون من خلف الستار، ويستخدمونه كواجهة لإعادة إنتاج سلطتهم القديمة.

إن تناقضاته المتكررة، وخداعه للرأي العام، ومراوغته للمجتمع الدولي، كلها تؤكد أن الرجل لا عهد له ولا ضمان في أقواله أو أفعاله.

فقد فقد ثقة شعبه، واحترام جنوده، ومصداقيته أمام العالم.

وكلما طال بقاؤه في المشهد، طال أمد الحرب، وازداد النزيف الإنساني، وابتعد السودان أكثر عن حلم الدولة المدنية الديمقراطية التي نادى بها الثوار يوماً.

البرهان اليوم ليس جزءاً من الحل، بل هو جذر الأزمة.

هو عنوان الفوضى، وصانع المأساة، ومصدر الانقسام.

وحين يسقط هذا القناع العسكري الملطخ بالدماء، سيعرف السودانيون أن أكبر خيانة للوطن لم تأتِ من عدو خارجي، بل من قائد خان القسم، ونقض العهد، وباع البلاد في سوق المصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!