رأي

من تأمل معضلات الانتقال إلى تأسيس مرجع عالمي لتجارب المحاسبة والحقيقة والمصالحة

نيل كريتز والعدالة الانتقالية: حين يصبح الماضي مسؤولية الحاضر

من تأمل معضلات الانتقال إلى تأسيس مرجع عالمي لتجارب المحاسبة والحقيقة والمصالحة

(3)

بقلم: آدم راشد

ليست كل الإسهامات الفكرية في تاريخ العلوم والمعارف تأتي في صورة نظرية جديدة أو فلسفة مكتملة؛ فبعضها يكتسب أهميته من قدرته على جمع الأفكار المتفرقة، وترتيب التجارب المتباعدة، وتحويل الأسئلة المعقدة إلى معرفة يمكن الاستناد إليها في فهم الواقع وصناعة السياسات. وهذا ما يجعل تجربة الباحث القانوني الأمريكي نيل ج. كريتز واحدة من المحطات المهمة في تطور حقل العدالة الانتقالية.

فحين تخرج المجتمعات من الحروب أو الأنظمة الاستبدادية، لا تجد أمامها طريقًا ممهدًا نحو العدالة. إنها تواجه ماضيًا مثقلًا بالجرائم، ومؤسسات ربما شاركت في إنتاج الانتهاكات أو التستر عليها، وضحايا ينتظرون الحقيقة والإنصاف، وقوى سياسية وأمنية لا تزال حساباتها ومصالحها حاضرة في مشهد الانتقال. وفي خضم ذلك كله، يبرز سؤال بالغ الصعوبة: كيف يمكن للدولة الجديدة أن تقيم نظامًا مختلفًا عن النظام الذي سبقها، من دون أن تعيد إنتاج أساليبه في الظلم والإقصاء وانتهاك القانون؟

هذا السؤال هو أحد المداخل الأساسية التي تناولها كريتز في عمله الفكري والبحثي، وهو ما جعل اسمه يرتبط بواحد من أهم المراجع المبكرة التي أسهمت في ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية وتوسيع نطاقه.

من هو نيل كريتز؟

نيل ج. كريتز باحث قانوني أمريكي متخصص في قضايا سيادة القانون والعدالة خلال مراحل التحول السياسي وما بعد النزاعات. ارتبط عمله بمعهد الولايات المتحدة للسلام، حيث اضطلع بأدوار بحثية واستشارية في برنامج سيادة القانون، واهتم بكيفية مساعدة المجتمعات على بناء أنظمة قانونية وحكومية ديمقراطية بعد فترات القمع والصراع.

ولم يقتصر نشاطه على البحث الأكاديمي؛ فقد شارك في تقديم المشورة وتنظيم الحوارات والخبرات المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات واسعة النطاق في عدد من البلدان، من بينها البوسنة والهرسك وكمبوديا وغواتيمالا وإندونيسيا ورواندا وسيراليون وجنوب أفريقيا. كما اهتم بقضايا صياغة الدساتير، وإصلاح المؤسسات القانونية، وإدارة العدالة في سياقات بناء السلام.

وتكشف هذه الخلفية عن طبيعة الإسهام الذي قدمه كريتز: فقد كان ينظر إلى العدالة الانتقالية باعتبارها مسألة تتجاوز المحاكمات والعقوبات، لتشمل بناء المؤسسات القانونية والسياسية التي تجعل الانتقال إلى نظام أكثر ديمقراطية وسيادة للقانون أمرًا ممكنًا.

الكتاب الذي وضع العدالة الانتقالية على خريطة البحث المقارن

في عام 1995، أشرف كريتز على تحرير عمل علمي ضخم حمل عنوان :

Transitional Justice: How Emerging Democracies Reckon with Former Regimes

ويمكن ترجمة عنوانه إلى : < العدالة الانتقالية: كيف تواجه الديمقراطيات الناشئة إرث الأنظمة السابقة >

صدر الكتاب عن معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن، وجاء في ثلاثة مجلدات، ليصبح أحد المراجع التأسيسية المبكرة في هذا المجال. ولم تكن أهميته في حجمه أو عدد الدراسات والوثائق التي جمعها فحسب، وإنما في الطريقة التي نظم بها موضوعًا كان لا يزال في طور التشكل، ووضع أمام الباحثين وصانعي السياسات طيفًا واسعًا من التجارب والخيارات القانونية والسياسية التي واجهتها المجتمعات الخارجة من القمع والحروب.

لقد أدرك كريتز أن الحديث عن العدالة بعد الاستبداد لا يمكن أن يظل محصورًا في النقاش النظري حول ضرورة المحاسبة أو مشروعية العفو؛ فالمجتمعات تحتاج إلى معرفة ما فعلته الدول الأخرى، وكيف تعاملت مع جرائم الماضي، وما القوانين التي اعتمدتها، وما المؤسسات التي أنشأتها، وما النتائج التي ترتبت على اختياراتها.

ولهذا جاء العمل في ثلاثة مجلدات متكاملة، لكل منها وظيفة محددة:

المجلد الأول خُصص للاعتبارات العامة، وفيه نوقشت الأسس القانونية والسياسية والأخلاقية للعدالة الانتقالية، والمعضلات التي تواجه الحكومات الجديدة عند التعامل مع إرث الأنظمة السابقة.

أما المجلد الثاني، فقد تناول دراسات قطرية وتجارب وطنية متعددة، ليتيح للقارئ المقارنة بين السياقات المختلفة، وفهم أثر التاريخ السياسي والاجتماعي والمؤسسي في تحديد مسارات العدالة.

وجاء المجلد الثالث ليقدم مجموعة واسعة من القوانين والأحكام القضائية والقرارات والتقارير والوثائق الرسمية، من دول ومنظمات دولية مختلفة. وقد ضم أكثر من مائة وثيقة قانونية ومؤسسية من ثمانية وعشرين بلدًا ومنظمات دولية، وهو ما منحه قيمة عملية خاصة للباحثين والمحامين وصانعي السياسات.

بهذا البناء الثلاثي، لم يعد القارئ أمام أفكار عامة عن العدالة الانتقالية فحسب، بل أمام منظومة معرفية تجمع بين النظرية والتجربة والنص القانوني. وهذه، في تقديرنا، واحدة من أهم إضافات كريتز إلى هذا الحقل.

معضلات العدالة الانتقالية: هل تستطيع الديمقراطية أن تنتقم باسم العدالة؟

من بين الموضوعات المهمة التي تناولها كريتز في مقدمته للكتاب، مقاله المعروف بعنوان “معضلات العدالة الانتقالية” (The Dilemmas of Transitional Justice).

وفيه يقترب من جوهر الإشكالية التي تواجه الحكومات الناشئة بعد سقوط الأنظمة القمعية: كيف تختلف الدولة الجديدة عن الدولة القديمة، ليس فقط في خطابها السياسي، وإنما في طريقة تعاملها مع القانون والحقوق والخصوم والمسؤولية؟

قد يبدو من الوهلة الأولى أن أفضل وسيلة لإثبات القطيعة مع النظام السابق هي الإسراع في معاقبة جميع من ارتبطوا به، لكن كريتز يلفت النظر إلى أن التعامل مع الماضي بمنطق الانتقام الجماعي قد يجعل الحكومة الجديدة تعيد إنتاج ممارسات النظام الذي تسعى إلى تجاوزه .

فإذا جرت المحاكمات من دون ضمانات قانونية، أو استُخدمت الاتهامات لإقصاء الخصوم، أو عوقب الأشخاص لمجرد انتمائهم إلى مؤسسات النظام السابق، فإن العدالة تتحول إلى أداة سياسية، وتفقد الدولة الجديدة أحد أهم الفوارق التي ينبغي أن تميزها عن سابقتها: احترام سيادة القانون.

وهنا تظهر إحدى أهم أفكاره: لا يمكن بناء دولة القانون بوسائل تنتهك القانون، ولا يمكن تأسيس ديمقراطية مستقرة من خلال محاكمات تفتقر إلى العدالة الإجرائية أو تخل بمبدأ المسؤولية الفردية.

إن محاسبة مرتكبي الجرائم لا تعني معاقبة مجتمع بأكمله، ولا يجوز أن تتحول المسؤولية عن الانتهاكات إلى مسؤولية جماعية تقوم على الوظيفة أو الانتماء السياسي وحدهما، فالمعيار ينبغي أن يكون الفعل والمسؤولية والأدلة، مع ضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة.

وهذا المبدأ بالغ الأهمية في المجتمعات التي تخرج من الحروب والانقسامات؛ إذ إن العدالة التي تُمارس بصورة انتقائية قد تفتح بابًا جديدًا للصراع بدلًا من أن تغلق أبواب الماضي.

بين المحاسبة والاستقرار: معضلة لا يجوز الهروب منها

تواجه الحكومات الانتقالية معضلة أخرى لا تقل صعوبة: هل ينبغي أن تكون المحاسبة فورية وشاملة، أم أن مقتضيات الاستقرار قد تستدعي ترتيب الأولويات والتدرج في تنفيذها؟

قد تكون مؤسسات الدولة ضعيفة، وقد لا تتوافر القدرة على التحقيق في جميع الجرائم دفعة واحدة، وقد تكون بعض القوى المتورطة في الانتهاكات ما زالت تمتلك نفوذًا سياسيًا أو عسكريًا، وفي مثل هذه الظروف، تصبح القرارات المتعلقة بالمساءلة شديدة الحساسية.

لكن الاعتراف بهذه الصعوبات لا يعني التسليم بالإفلات من العقاب، ولا يجعل الاستقرار ذريعة مفتوحة لتأجيل حقوق الضحايا إلى أجل غير معلوم. إنما يعني أن الانتقال يحتاج إلى استراتيجية واضحة تحدد الأولويات، وتبني القدرات المؤسسية، وتضمن أن تكون الإجراءات متسقة مع القانون.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين العفو والمصالحة، وبين التسوية السياسية والإعفاء من المسؤولية الجنائية، فهذه المفاهيم ليست مترادفات، ولا يجوز التعامل معها كما لو كانت شيئًا واحدًا.

قد تحتاج بعض المجتمعات إلى ترتيبات سياسية تساعد على إنهاء العنف، وقد تكون المصالحة المجتمعية ضرورية لإعادة بناء الثقة بين المكونات المتنازعة، لكن ذلك لا يلغي الالتزامات القانونية المتعلقة بالجرائم الجسيمة، ولا يجعل حقوق الضحايا قابلة للمقايضة في المفاوضات السياسية.

والدرس الذي يمكن استخلاصه من معالجة كريتز لهذه المعضلات هو أن التحدي لا يكمن في الاختيار السهل بين العدالة والاستقرار، بل في تصميم انتقال سياسي يحترم القانون، ويمنع الانتقام، ولا يترك الجرائم الكبرى بلا معالجة.

من المحاكمات إلى إصلاح الدولة:

من الإسهامات المهمة في العمل الذي حرره كريتز أنه وسّع نطاق النظر إلى العدالة الانتقالية، فلم يجعلها مرادفة للمحاكمات الجنائية وحدها.

فالمجتمع الذي يخرج من نظام قمعي قد ينجح في محاكمة بعض المسؤولين، لكنه يظل عاجزًا عن بناء مستقبل مختلف إذا بقيت مؤسساته الأمنية والقضائية والإدارية تعمل بالعقلية ذاتها، أو إذا استمر التمييز في الوصول إلى العدالة، أو ظلت أجهزة الدولة خاضعة للنفوذ السياسي.

ولهذا تكتسب قضايا إصلاح المؤسسات أهمية مركزية. فإصلاح القضاء والنيابة العامة والشرطة والأجهزة الأمنية، وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، ومراجعة التشريعات التي استُخدمت في قمع الحريات، ووضع ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات، كلها جوانب لا تقل أهمية عن ملاحقة المسؤولين جنائيًا.

كما أن التجارب القطرية التي جمعها الكتاب تتيح فهمًا أوسع لاختلاف الأدوات التي استخدمتها الدول. فبعضها اعتمد المحاكمات، وبعضها أنشأ لجانًا للحقيقة، وبعضها اتجه إلى إصلاح المؤسسات أو مراجعة أوضاع العاملين في الخدمة العامة، فيما جمعت تجارب أخرى بين أكثر من آلية.

ولم يكن المقصود تقديم نموذج واحد يصلح لجميع البلدان، بل إظهار أن العدالة الانتقالية تتشكل وفق ظروف كل مجتمع، وأن نجاح أي آلية يتوقف على مدى ملاءمتها للسياق الوطني، واستقلال المؤسسات، وتوافر الضمانات القانونية، ومشاركة المتضررين.

القيمة العالمية لإسهام كريتز:

يمكن النظر إلى إسهام نيل كريتز من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة :

أولها البعد المعرفي؛ إذ أسهم الكتاب الذي حرره في جمع مادة واسعة حول كيفية تعامل المجتمعات مع إرث الأنظمة السابقة، وأتاح للباحثين مقارنة التجارب بدلًا من دراسة كل حالة بمعزل عن الأخرى.

وثانيها البعد القانوني؛ فقد أتاح المجلد الثالث، بما ضمه من قوانين وأحكام وقرارات وتقارير، مادة وثائقية مهمة تساعد على فهم كيفية ترجمة المبادئ العامة إلى تشريعات ومؤسسات وإجراءات فعلية .

أما البعد الثالث فهو البعد العملي؛ إذ إن خلفية كريتز في العمل الاستشاري وبناء سيادة القانون جعلت اهتمامه متصلًا بالمشكلات التي تواجه الحكومات والمجتمعات في الواقع، وليس بالجدل الأكاديمي وحده.

ومع ذلك، فإن الأمانة العلمية تقتضي ألا ننسب إلى كريتز وحده تأسيس مفهوم العدالة الانتقالية أو ابتكار جميع أدواته، فقد كان هذا الحقل ثمرة إسهامات متراكمة لعدد كبير من الباحثين والحقوقيين والضحايا والحركات الاجتماعية والتجارب الوطنية. لكن قيمة عمله تكمن في أنه أسهم في تنظيم هذا المجال وتوسيع مادته المقارنة، وفي وضع مرجع مبكر جمع بين الاعتبارات النظرية والتجارب الوطنية والوثائق القانونية.

كما أن الكتاب لم يكن بمنأى عن حدود مرحلته التاريخية؛ فقد انصب جانب مهم من دراساته على التحولات في أوروبا وأمريكا اللاتينية، ولم يكن تمثيل تجارب مناطق العالم الأخرى متوازنًا بالقدر الكافي. وهذه ملاحظة مهمة عند الاستفادة منه اليوم، خصوصًا في مجتمعات أفريقية وآسيوية تواجه أشكالًا من النزاع والتهميش والانتهاكات لا تتطابق بالضرورة مع تجارب الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.

لكن هذه الحدود لا تنتقص من قيمته التأسيسية، بل تفتح الباب أمام تطوير المجال وتوسيع نطاقه ليشمل أصوات الضحايا والمجتمعات المحلية والتجارب التي ظلت أقل حضورًا في الأدبيات المبكرة.

ماذا يعني ذلك للسودان؟

إن قراءة كريتز تضع أمام السودان أسئلة تتجاوز الجدل حول محاكمة هذا الطرف أو ذاك. فالمطلوب ليس مجرد تغيير السلطة أو إعادة توزيع المناصب، وإنما تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمواطن، قوامها سيادة القانون والمساواة والمساءلة.

فالسودان الذي عانى من الانقلابات والحروب والتهميش والانتهاكات، ثم دخل في حرب مدمرة منذ أبريل 2023، يحتاج إلى معالجة إرث متراكم لا يمكن اختزاله في وقائع الحرب الراهنة وحدها، ولا حتى الاحداث التي اعقبت ثورة ديسمبر.

وتقتضي هذه المعالجة التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية، والمسؤولية السياسية والمؤسسية، وبين الجرائم التي تستوجب الملاحقة القضائية، والانتهاكات التي تحتاج إلى كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي. كما تقتضي ألا تتحول العدالة إلى أداة لتصفية الحسابات، أو إلى تسوية سياسية تُغلق بها ملفات الضحايا.

ومن دروس كريتز المهمة أن الدولة الجديدة تُختبر في كيفية تعاملها مع خصومها قبل أن تُختبر في كيفية تعاملها مع أنصارها، فإذا احترمت ضمانات المحاكمة العادلة، ورفضت العقاب الجماعي، وأخضعت الجميع للقانون، فإنها تضع أساسًا مختلفًا عن ذلك الذي أنتج الانتهاكات.

ولذلك، فإن أي مشروع سوداني للعدالة الانتقالية ينبغي أن يستند إلى استراتيجية وطنية واضحة، تُبنى بمشاركة الضحايا والمجتمعات المتأثرة، وتجمع بين المحاسبة القضائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح مؤسسات الدولة، وضمانات عدم التكرار. وينبغي أن تستفيد من التجارب الدولية من دون أن تستنسخها، وأن تجعل من القانون مرجعًا للمساءلة لا غطاءً للانتقام.

إن العدالة التي يحتاجها السودان ليست عدالة المنتصر على المهزوم، ولا عدالة جماعة في مواجهة جماعة أخرى؛ إنها عدالة المواطن الذي يريد أن يعيش في دولة لا يخاف فيها من السلطة، ولا يُحرم فيها من حقه بسبب هويته أو منطقته أو موقفه السياسي.

من كريتز إلى بريسيلا هاينر: حين تصبح الحقيقة حقًا للضحايا

إذا كان نيل كريتز قد أسهم في وضع خريطة واسعة للتجارب والخيارات القانونية والسياسية التي تواجه المجتمعات الخارجة من الاستبداد والحروب، فإن باحثة أخرى ستنقلنا إلى جانب لا يقل أهمية في هذا المجال: جانب الحقيقة، وشهادة الضحايا، والذاكرة الجماعية، والبحث عن مصير المفقودين، وكسر الصمت الذي يحيط بالانتهاكات.

(Priscilla B. Hayner)

إنها الباحثة الأمريكية بريسيلا هاينر التي ارتبط اسمها بدراسة لجان الحقيقة، وتوثيق تجاربها في عدد من البلدان، و تحليل ما تستطيع هذه اللجان تحقيقه وما تعجز عنه.

فإذا كان السؤال الذي واجه كريتز هو: كيف تتعامل الديمقراطيات الناشئة مع إرث الأنظمة السابقة؟ فإن السؤال الذي ستأخذنا إليه هاينر هو: كيف تستطيع المجتمعات أن تعرف الحقيقة، وتمنح الضحايا صوتًا، وتواجه ماضيها من دون أن تتركه رهينة الإنكار والنسيان؟

وهكذا تتواصل رحلتنا في فهم العدالة الانتقالية؛ من خريطة التجارب والقوانين إلى ذاكرة الضحايا وحقهم في الحقيقة، ومن سؤال مسؤولية الدولة إلى سؤال الإنسان الذي دفع ثمن الانتهاكات.

وفي المقال المقبل، نفتح ملف بريسيلا هاينر، ونتوقف عند كتابها الشهير «حقائق لا تُقال»

(Unspeakable Truths)، لنتعرف إلى إسهامها في تطوير مفهوم لجان الحقيقة، ودورها في ترسيخ حق المجتمعات والضحايا في معرفة ما حدث، ولماذا حدث، ومن يتحمل مسؤوليته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!