اشرف عبد العزيز يكتب: لوشالا كلب!!

اشرف عبد العزيز يكتب: لوشالا كلب!!
بقلم: أشرف عبدالعزيز
يتجلّى التناقض الصارخ في مسيرة قائد كتيبة البراء، المصباح أبو زيد طلحة، حين نضع إصراره واندفاعه الجامح في كفة، والواقع المرير الذي عبّر عنه في كفة أخرى. فعلى الرغم من حماسه المنقطع النظير الذي جعله يتحدى العقوبات الدولية الصارمة المفروضة عليه من أمريكا وبريطانيا، وعلى الرغم من خلافاته التنظيمية العميقة مع شيوخه في الحركة الإسلامية، كالرد الساخن الذي واجهه من الدكتور أمين حسن عمر، وصولاً إلى انحيازه المطلق المعلن للجيش وقيادته، بل وقيادته المحمومة لحملة ترشيح الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للجمهورية، بكل هذا الرصيد من الولاء المندفع يفاجئ الجميع ليخرج من مقر إقامته في العاصمة الماليزية كوالالمبور معبراً بلا مساحيق عن خيبة أمله العميقة في الأوضاع المأساوية للبلاد.
إن هذا الانتقال الحاد من عراب الحملات الترويجية للسلطة إلى إطلاق عبارته الصادمة المقتبسة من إرث زين العابدين الهندي إبان عجز حكومة الديمقراطية الثالثة: “البلد دي كان شالها كلب ما في زول بقول ليه جر”، يعكس أزمة نفسية وهيكلية عميقة، ليؤكد أن حجم الإحباط قد تجاوز كل حدود التبرير.
ولا يمكن قراءة هذا الانخراط والتحول في مواقف المصباح بمعزل عن السياق التاريخي الأوسع لطبيعة الدولة السودانية وأزماتها المتتالية. فهذه الأزمة الراهنة تختلف جذرياً عن عثرات الديمقراطية الثالثة، التي كان وضع الخدمات فيها والوضع المعيشي العام أفضل بكثير، رغم قسوة التحديات والحروب آنذاك، وتلك الديمقراطية التي لم تكن نهايتها سوى نتاج لانقلاب عسكري قاده عمر البشير وأورد البلاد مورد الهلاك والدمار على مدى ثلاثة عقود متوالية، ليرسخ ديكتاتورية أفرزت أعتى الميليشيات والكتائب الإرهابية التي يُعد “البراء” جزءاً أصيلاً من إرثها الذي صاغ وعيه على الهيمنة والعنف بعيداً عن أطر الدولة المؤسسية.
وحين يخرج هذا الخطاب الصادم والمحبط من قلب تلك المنظومة العقائدية، فإنه يعري تماماً فشل المشروع السياسي والعسكري برمته في إدارة الأزمات أو حماية المواطن وتوفير مقومات بقائه الأساسية.
وحين يقرر رأس من رؤوس التعبئة والعقائدية إطلاق هذا الاعتراف المدوي، فإن عجز الدولة الماثل لم يعد بحاجة إلى أدلة نظرية أو تحليلات معقدة، بل تتبينه بوضوح ملموس طوابير الوقود الطويلة وقطوعات الكهرباء المتكررة التي تفاقمت بوحشية بفعل هجمات مسيّرات الدعم السريع وتدميرها الممنهج لما تبقى من البنى التحتية في البلاد. لتأتي شهادة “البراء” واعترافاته العميقة بمثابة المسمار الأخير الذي يسدل الستار نهائياً على سياسة الإنكار والمكابرة الرسمية والشعبوية، مؤكدةً للجميع بلا لبس أنه بعد هذا السقوط المريع وتكشف عجز منظومة الحرب والخراب عن تقديم أي أفق حقيقي للحياة، لم يعد هناك أي متسع للمزيد من المكابرة، ولا سبيل لإنقاذ ما تبقى من الوطن سوى الوقف الفوري لهذه الحرب العبثية والعودة إلى مسار السلام والعدالة وبناء دولة المؤسسات الحقيقية.




