
نجم الدين دريسة
حين يُقصف المستشفى، لا تسقط القذيفة على جدرانٍ فقط، بل على الضمير الإنساني كله
الضعين… عندما تتحول الحرب إلى استهداف للحياة نفسها
مأساة تكشف تحولات خطيرة في مسار الحرب
لم تكن الضعين بحاجة إلى كارثة جديدة لتُثبت قسوة هذه الحرب، لكن ما جرى داخل مستشفاها التعليمي جاء ليكسر ما تبقى من وهمٍ بأن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها. في أول أيام عيد الفطر، وفي لحظة يفترض أن تكون عنوانًا للحياة، تحوّل المكان الوحيد الذي يلوذ به المدنيون إلى ساحة للموت، في مشهدٍ يعكس انحدارًا خطيرًا في طبيعة الصراع.
القصف الذي استهدف المستشفى بحسب بيانات قوى مدنية وحقوقية وسياسية متعددة لم يكن حادثة عرضية، بل جرى توصيفه على نطاق واسع كجريمة حرب مكتملة الأركان. هذه البيانات لم تكتفِ بالإدانة، بل وجّهت اتهامات مباشرة إلى سلطة بورتسودان، وربطت الهجوم بطيران يتبع للجيش، في سياق ما وصفته بـ“نهج ممنهج” في استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية.
في قلب هذه الروايات، يبرز سؤال بالغ الخطورة: كيف يمكن أن يتحول مستشفى مرفق محمي بموجب القانون الدولي إلى هدف؟ وكيف يمكن أن يحدث ذلك في وقتٍ كان يعجّ بالمرضى والنازحين، أغلبهم من النساء والأطفال؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات تقنية بقدر ما تكشف عن أزمة أخلاقية عميقة، حيث لم تعد قواعد الحرب قادرة على كبح الانفلات.
المستشفى الذي خرج عن الخدمة لم يكن مجرد مبنى، بل كان يمثل آخر ما تبقى من منظومة صحية متداعية في شرق دارفور. تدميره لا يعني فقط سقوط ضحايا في لحظة القصف، بل يعني مضاعفة المأساة في الأيام التالية: جرحى بلا علاج، وأرواح تُفقد بصمت، ومنطقة كاملة تُترك في مواجهة مصيرها دون حدٍ أدنى من الرعاية.
اللافت في هذه الحادثة ليس فقط حجم الدمار، بل اتساع دائرة الإدانات. من مبادرات دارفورية، إلى اتحادات مهنية، إلى تيارات سياسية، إلى كيانات مدنية جميعها التقت عند نقطة واحدة: أن ما جرى في الضعين ليس تجاوزًا عابرًا، بل مؤشر خطير على نمط يتكرر.
هذا الإجماع، في سياق سياسي شديد الانقسام، يحمل دلالة واضحة: أن الحدث تجاوز كل خطوط الاختلاف، وفرض نفسه كقضية ضمير قبل أن يكون قضية موقف.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز البعد الأخطر: استهداف المرافق المدنية لم يعد استثناءً، بل بات—بحسب مراقبين—جزءًا من تكتيك أوسع للضغط على المجتمعات المحلية. وهو ما يعني أن المدنيين لم يعودوا ضحايا عرضيين، بل أصبحوا في قلب المعادلة.
القانون الدولي الإنساني، الذي وُضع تحديدًا لمنع مثل هذه الكوارث، يبدو اليوم عاجزًا عن حماية أبسط قواعده. فالنصوص التي تحظر استهداف المستشفيات واضحة، لكن ما يحدث على الأرض يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: من يضمن تطبيق هذه القواعد، ومن يملك إرادة فرضها؟
أما المجتمع الدولي، الذي تُوجَّه إليه الدعوات في كل مرة، فيقف مرة أخرى أمام اختبار صعب. فبين الإدانات اللفظية والتحرك الفعلي، فجوة تتسع، ومعها يتسع الإحساس لدى الضحايا بأن العالم يراقب أكثر مما يفعل.
الضعين اليوم ليست مجرد مأساة محلية، بل لحظة كاشفة. لحظة تُظهر إلى أي مدى يمكن أن تنزلق الحروب حين تفقد ضوابطها، وإلى أي حد يمكن أن يصبح المدني بكل ضعفه في مرمى النار.
وفي نهاية هذا المشهد، تبقى الحقيقة الأشد قسوة: أن استهداف المستشفيات لا يقتل البشر فقط، بل يقتل فكرة أن هناك حدًا أدنى من الإنسانية يمكن أن يصمد وسط الحرب.
وحين تسقط هذه الفكرة، يصبح كل شيء ممكنًا… وكل شيء مهددًا.




