رأي

أحمد هارون وعودة الوجوه الملطخة بالدماء: محاولة فجة لإعادة تدوير جرائم ثلاثين عاماً من الاستبداد

أحمد هارون وعودة الوجوه الملطخة بالدماء: محاولة فجة لإعادة تدوير جرائم ثلاثين عاماً من الاستبداد

بقلم/ إيهاب الأمين

لم يكن ظهور أحمد هارون في المشهد الإعلامي السوداني الأخير مجرد نشاط سياسي عابر أو إطلالة لشخصية غابت عن الأضواء ثم قررت العودة بل كان هذا الظهور محاولة سياسية وإعلامية فجة لإعادة تأهيل أحد أبرز مجرمي النظام البائد وإخراج شخصية ارتبط اسمها بواحدة من أكثر صفحات تاريخ السودان دموية إلى دائرة النقاش العام وكأن شيئا لم يحدث وكأن ذاكرة السودانيين يمكن محوها بحوار تلفزيوني أو ظهور محسوب بعناية أمام الكاميرات.

إن إعادة تقديم أحمد هارون للرأي العام ومحاولة إظهاره في صورة السياسي المتمنع عن الإعلام أو الشخصية التي تتعرض للملاحقة والاستهداف ليست سوى جزء من عملية أكبر تستهدف إعادة تدوير مفسدي الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وإعادة تسويق المشروع السياسي الذي حكم السودان بالحديد والنار وأوصل البلاد إلى هذا الانهيار الشامل فالقضية هنا ليست شخصاً بعينه وإنما منظومة سياسية وفكرية وتنظيمية لم تتوقف عن محاولة استعادة نفوذها حتى بعد الثورة الشعبية التي أطاحت برأس نظامها.

أحمد محمد هارون ليس اسماً عادياً في سجل نظام الإنقاذ ولا شخصية هامشية يمكن فصلها عن الجرائم والانتهاكات التي شهدها السودان ولكنه واحد من أبرز المسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بملف دارفور وأحد المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في الإقليم خلال سنوات النزاع الأولى وقد كان أحمد هارون يشغل منصب وزير الدولة بوزارة الداخلية في الفترة التي تصاعدت فيها الحرب في دارفور وتولى مسؤوليات مرتبطة بملف الأمن والتنسيق الحكومي في الإقليم وفي تلك المرحلة ووفقاً لما ورد في ملف الادعاء أمام المحكمة الجنائية الدولية لعب دوراً محورياً في تعبئة المليشيات المسلحة وتقديم الدعم والتسهيلات لها في سياق حملة استهدفت السكان المدنيين ولا سيما المجتمعات التي اتهمتها السلطات بمساندة الحركات المسلحة ولم تكن الاتهامات الموجهة إليه مجرد خلافات سياسية أو روايات إعلامية متبادلة بل تضمنت وقائع محددة تتعلق بالقتل والاغتصاب والتعذيب والاعتقال والتهجير القسري وتدمير القرى والممتلكات وهي جرائم وثقتها التحقيقات والشهادات والتقارير الدولية المتعلقة بالنزاع في دارفور وفي عام 2007 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه تضمنت اتهامات بارتكاب عشرين جريمة ضد الإنسانية واثنتين وعشرين جريمة حرب تتصل بالأحداث التي شهدتها دارفور ومنذ ذلك التاريخ ظل أحمد هارون مطلوباً للمحكمة ولم يمثل أمامها للمحاكمة حتى الآن وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة جوهريةوهي أن المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لا يصبح بريئاً لمجرد ظهوره في وسائل الإعلام ولا تسقط الاتهامات الموجهة إليه بتقادم السنوات أو بتغير موازين القوى السياسية كما أن الحديث عن هذه الجرائم لا يمثل خصومة شخصية أو تصفية حسابات سياسية وإنما هو دفاع عن حق الضحايا في العدالة وعن ضرورة ألا تتحول السلطة إلى حصانة تحمي مرتكبي الانتهاكات من المساءلة وقد ارتبط اسم هارون أيضا بالتصريحات المنسوبة إليه في سياق التعبئة العسكرية في دارفور ومن بينها عبارات وردت في ملف المحكمة بشأن تشجيع المقاتلين على عدم الإبقاء على الأسرى أو التعامل مع السكان المستهدفين باعتبارهم خارج دائرة الحماية وهي تصريحات تكشف في سياق الاتهامات والأدلة المقدمة طبيعة الدور الذي قام بتنفيذه هذا المجرم القاتل أما الجرائم التي شهدتها دارفور فلم تكن مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية بل كانت بيوتاً تحترق وقرى تختفي من الوجود وأسر تفقد أبناءها ونساء يتعرضن للاغتصاب والعنف وأطفال يفرون مع ذويهم في رحلة طويلة من الخوف والجوع والتشرد والتسكع وقد كانت هناك مجتمعات كاملة اقتلعت من أرضها وممتلكات نهبت ومصادر رزق دمرت وذاكرة إنسانية مثقلة بالمآسي التي لم تنته آثارها حتى اليوم.

ومن المؤسف أن يحاول البعض اختزال هذا التاريخ في خلاف سياسي أو اختلاف في وجهات النظر بينما الحقيقة أن دارفور دفعت ثمناً إنسانياً فادحاً وأن العدالة لا يمكن أن تتحقق من دون كشف المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت مشاركته في الجرائم أيا كان موقعه أو انتماؤه وبالذات مجرمي المؤتمر الوطني وقد كانت جرائمهم مكشوفة أمام العيان.

ولم تتوقف مسؤوليات وجرائم أحمد هارون السياسية عند دارفور فقد تولى لاحقاً منصب وزير الدولة بوزارة الشؤون الإنسانية ثم أصبح والياً لولاية جنوب كردفان كما صعد إلى مواقع قيادية داخل المؤتمر الوطني وتولى رئاسة الحزب بعد سقوط نظام عمر البشير في مرحلة كشفت مدى تمسك رموز النظام القديم بمواقع النفوذ ومحاولتهم إعادة ترتيب صفوفهم وفي جنوب كردفان خلال فترة توليه الولاية ارتبط اسمه مجددا بالنزاع المسلح والانتهاكات التي طالت المدنيين وهي وقائع تستوجب التحقيق المستقل والمساءلة ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل هامشية في مسيرته السياسية الدموية الفاجرة ولا شك أن أخطر ما في تجربة أحمد هارون ليس فقط ما عرف عنه من أفعال وإنما النموذج السياسي الذي مثله فهو نموذج المسؤول الذي تتحول الدولة في عهده إلى أداة للسيطرة وتصبح المؤسسات الرسمية امتداداً للتنظيم الحاكم وتختلط سلطة الحزب بسلطة الحكومة ويصبح الولاء السياسي مقدماً على القانون وحقوق المواطنين.

ولفهم خطورة هذه الشخصية لا بد من العودة إلى طبيعة النظام الذي نشأ في ظله وصعد من خلاله فقد كان أحمد هارون أحد الوجوه التنفيذية للمؤتمر الوطني الحزب الذي احتكر السلطة في السودان منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 وحتى سقوط عمر البشير في أبريل 2019 ولم يكن ذلك الحزب مجرد تنظيم سياسي يمارس نشاطه داخل مؤسسات الدولة بل تحول طوال ثلاثة عقود إلى منظومة متكاملة للتمكين السياسي والاقتصادي والأمني تقوم على إقصاء الخصوم وإضعاف المؤسسات المستقلة وإحلال عناصر التنظيم في مواقع الخدمة العامة وربط فرص العمل والترقي والمصالح الاقتصادية بالولاء السياسي وخلال تلك السنوات تعرض السودانيون لانتهاكات واسعة النطاق شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب في بيوت الأشباح ومصادرة الحريات وتكميم الصحافة والفصل السياسي من الخدمة المدنية وملاحقة المعارضين واستخدام أجهزة الدولة الأمنية في حماية النظام وقمع الاحتجاجات كما شهدت البلاد حروباً مدمرة في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وتفاقمت خلالها معاناة المدنيين من القتل والنزوح والتشريد وانهيار الخدمات الأساسية ولم تكن هذه الانتهاكات حوادث منفصلة عن طبيعة الحكم بل ارتبطت ببنية سياسية جعلت بقاء التنظيم فوق مصلحة الوطن واعتبرت المعارضة تهديداً ينبغي القضاء عليه لا حقاً دستورياً ينبغي احترامه ولذلك فإن الحديث عن عودة أحمد هارون لا يمكن فصله عن الحديث عن عودة المشروع الذي مثله وعن المسؤولية التاريخية لحزبه عن تدمير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان ومن المهم التذكير بأن سجل الانتهاكات المنسوبة إلى رموز النظام لم يقتصر على دارفور فقد شهدت جبال النوبة ومناطق أخرى من السودان حملات عسكرية وأمنية قاسية وتحدثت تقارير حقوقية وإعلامية عن مجازر وعمليات تهجير وحصار وتجويع وانتهاكات بحق المدنيين كما ارتبط اسم أحمد هارون في تقارير أمريكية سابقة بمسؤوليته عن أحداث دامية في جبال النوبة خلال التسعينيات حتى أطلقت عليه بعض المصادر وصف جزار النوبة وهي اتهامات وتوصيفات خطيرة ينبغي تناولها في إطار التوثيق والتحقيق والمفارقة الأكثر فجاجة أن الرجل الذي كان مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية وجد نفسه في مواقع سياسية وإدارية رفيعة بعد صدور مذكرة توقيفه فقد تولى وزارة الدولة للشؤون الإنسانية ثم أصبح والياً لجنوب كردفان قبل أن ينتقل إلى ولاية شمال كردفان وظل جزءاً من دائرة الحكم حتى الأيام الأخيرة للنظام وفي مارس 2019 قبيل سقوط البشير أُوكلت إليه رئاسة المؤتمر الوطني بصورة مؤقتة ليصبح واحداً من أبرز الوجوه التي تولت إدارة الحزب بعد انهيار سلطته وهذا وحده يكشف طبيعة الاستهتار بالعدالة في عهد الإنقاذ فبدلاً من تسليم المطلوبين للمحكمة الدولية والتعاون مع التحقيقات استمر النظام في منحهم المناصب والنفوذ والحماية السياسية بل إن أحمد هارون كُلّف في إحدى المراحل بقيادة تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور رغم أنه كان هو نفسه مطلوباً للمحكمة بشأن جرائم ارتكبت في الإقليم لكنها مفارقة تختصر عبثية نظام جعل المتهم في موقع من يفترض أن يحقق في الجرائم وبعد سقوط النظام أودع هارون السجن إلى جانب عدد من مجرمي المؤتمر الوطني الآخرين لكنه خرج من سجن كوبر في أبريل 2023 بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع وأعلن بنفسه في تسجيل صوتي مغادرته السجن متحدثاً عن الظروف الأمنية وانقطاع الخدمات ومنذ ذلك الوقت ظل وضعه القانوني موضع اهتمام خصوصاً أن خروجه لم ينه مذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحقه ولم يلغِ التزام السودان بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.

وفي يناير 2024 أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إدراج اسمه ضمن برنامج مكافآت جرائم الحرب وأكدت أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بسبب اتهامات تتعلق بجرائم دارفور ثم عاد اسمه إلى واجهة الصراع داخل المؤتمر الوطني عندما اختير في نوفمبر 2024 لرئاسة الحزب في خطوة أثارت الانقسام حتى داخل معسكر النظام السابق وفي كل الأحوال فإن ما يجري اليوم لا يتعلق بمحاولة إعادة شخصية سياسية إلى الحياة العامة فحسب وإنما بمحاولة إعادة الاعتبار إلى حزب سقط بثورة شعبية بعد أن حكم البلاد ثلاثة عقود وأوصلها إلى واحدة من أسوأ مراحل تاريخها فالمؤتمر الوطني لم يقدم حتى الآن مراجعة حقيقية لمسؤوليته عن الحروب والانتهاكات والفساد وتفكيك الدولة ولم يطرح اعتذاراً وطنياً واضحاً للضحايا ولم يكشف بصورة جادة عن مصير الأموال العامة التي أهدرت أو نهبت خلال سنوات حكمه بل إن الأخطر أن الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 وفرت لبعض رموز النظام السابق فرصة لإعادة التموضع السياسي والعسكري واستثمار حالة الفوضى والانقسام وتقديم أنفسهم باعتبارهم أصحاب مشروع لإنقاذ الدولة وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الدولة السودانية وبين التنظيمات التي اختطفتها وبين الجيش كمؤسسة وطنية وبين محاولات توظيفه لمصلحة حزب أو تيار سياسي فالسودان ليس ملكاً للمؤتمر الوطني ولا يجوز أن تكون دماء المواطنين وقوداً لمعركة استعادة السلطة.

إن إعادة تسويق المجرم أحمد هارون في هذا التوقيت تستحق أسئلة مباشرة لا ينبغي الهروب منها مثل من الذي يفتح له المنابر الإعلامية؟ ومن يقف وراء محاولة تحسين صورته الشائهة؟ وهل نحن أمام مبادرة فردية أم جزء من مشروع منظم لإعادة تقديم قيادات النظام السابق؟ ولماذا يجري التعامل مع شخصية مطلوبة للمحكمة الجنائية الدولية وكأنها مجرد سياسي عائد من إجازة طويلة؟ وهل يعتقد أصحاب هذه المحاولات أن السودانيين فقدوا ذاكرتهم وأن ضحايا دارفور وجبال النوبة وسائر مناطق السودان يمكن تجاوز آلامهم بهذه السهولة؟ إن التمنع أمام الكاميرات وانتقاء لحظات الظهور وصناعة مشاهد توحي بأن الشخصية تتعرض للملاحقة الإعلامية كلها تفاصيل لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن السؤال الأساسي أين العدالة؟ وأين حقوق الضحايا؟ وأين المسؤولية عن الجرائم التي ما زالت ملفاتها مفتوحة أمام القضاء الدولي؟ قطعاً لا يجوز أن تتحول المنابر الإعلامية إلى منصات لإعادة غسل السمعة السياسية ولا أن يصبح الظهور المتكرر بديلاً عن المحاسبة فالإعلام الذي يحترم نفسه لا يكتفي بمنح المساحات لأصحاب النفوذ السابق وإنما يضع أمامهم الأسئلة الصعبة ويستضيف الضحايا وأصحاب الشهادات ويعرض الحقائق والوثائق ويمنع تحويل المتهمين إلى ضحايا مفترضين لمجرد أنهم يواجهون المساءلة وذاكرة الشعوب ليست شاشة يمكن تغيير ما يعرض عليها متى شاء أصحاب المصالح ودماء السودانيين ليست مادة قابلة للمساومة وحقوق الضحايا لا تسقط لأن بعض السياسيين قرروا العودة إلى المشهد ومن حق كل سوداني أن يسأل عن الأموال المنهوبة وعن المقابر الجماعية وعن المفقودين وعن المعتقلين وعن الذين دمرت الحرب قراهم وعن الذين أجبروا على مغادرة أرضهم وعن الذين فقدوا أبناءهم ولم يجدوا حتى الآن إجابة عن مصيرهم أما المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية فلا يمكنهما غسل تاريخهما بمجرد تغيير الخطاب أو تبديل الوجوه فالمراجعة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالمسؤولية وكشف الحقائق والتعاون مع العدالة وتسليم المطلوبين ورد الحقوق وقبول مبدأ عدم الإفلات من العقاب وما دون ذلك ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها بأسماء وواجهات جديدة.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً بسبب الاستبداد والفساد وتغليب التنظيم على الوطن ولا يحتمل أن يدفع ثمناً جديداً بسبب عودة الذين ساهموا في صناعة مأساته ولا شك أن مستقبل البلاد ينبغي أن يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة لا على استعادة رموز القمع وإعادة تدوير تجارب الفشل والدمار وربما تخشى بعض المنابر قول الحقيقة وربما تحسب بعض الأقلام حساباً لموازين القوة والمصالح لكن هناك حقائق لا ينبغي أن تخضع للمساومة فلا كرامة لمجرم على حساب كرامة الضحايا ولا شرعية لمن يتجاوز العدالة ولا وطنية في مشروع يجعل الحزب فوق الشعب والدولة والشعب السوداني لن يسمح بتزوير الذاكرة ولن يقبل أن يتحول الجلاد إلى بطل أو أن يصبح المطلوب للعدالة ضحية في رواية إعلامية مصطنعة فالوطن أكبر من الأحزاب والتنظيمات والأفراد ودماء أبنائه ليست سلعة والعدالة ليست منحة من السلطة بل حق أصيل لا يسقط بالتقادم أو بتغير الحكومات والسودان يحتاج إلى استعادة دولته لا استعادة جلاديه ويحتاج إلى مستقبل يتسع لجميع أبنائه لا إلى عودة الذين صادروا حريته وأهدروا موارده ومزقوا نسيجه الاجتماعي والتاريخ مهما حاول البعض إعادة كتابته ستظل فيه صفحات لا يمحوها النسيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!