
سمية النور دهب
حين يُمنع الخبز عن الجائع، تتحول السياسة إلى جريمة
لم يعد ممكناً النظر إلى ما يجري في السودان باعتباره مجرد حرب بين أطراف مسلحة تتنازع السلطة والنفوذ. فالحروب، مهما بلغت قسوتها، تحتفظ عادةً بحدود أخلاقية وإنسانية تمنع تحويل المدنيين إلى أهداف مباشرة. لكن ما حدث في مدينة الدبة، عبر احتجاز قوافل برنامج الأغذية العالمي ومنعها من الوصول إلى دارفور، يكشف أن سلطة بورتسودان تجاوزت تلك الحدود إلى منطقة أكثر ظلاماً وخطورة، حيث يُستخدم الجوع نفسه كسلاح لإخضاع البشر وكسر إرادتهم.
إن احتجاز مئات الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء ليس قراراً إدارياً عابراً، ولا إجراءً أمنياً يمكن تبريره بذرائع الحرب. ما حدث هو رسالة سياسية مكتملة الأركان تقول إن الطعام يمكن أن يتحول إلى أداة عقاب جماعي، وإن المدنيين في مناطق النزاع يمكن أن يُتركوا للمجاعة والمرض حتى ينهاروا بالكامل. وهذه أخطر مراحل الانحطاط السياسي والأخلاقي التي يمكن أن تصل إليها أي سلطة تدّعي الدفاع عن الدولة أو حماية الوطن.
المأساة الأكبر أن ضحايا هذه السياسات ليسوا مقاتلين في خطوط النار، بل أطفال ونساء ونازحون يعيشون أصلاً على حافة الموت داخل المعسكرات والمناطق المنكوبة. فدارفور التي أنهكتها الحرب والنزوح والأوبئة، لم تعد تحتمل مزيداً من الحصار والتجويع. وكل يوم تتأخر فيه قوافل الإغاثة يعني اتساع دائرة الجوع وسوء التغذية وانهيار ما تبقى من الحياة الإنسانية.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تُظهر بوضوح أن بعض مراكز القرار داخل السلطة العسكرية باتت تتعامل مع الملف الإنساني بعقلية الانتقام لا بعقلية الدولة. فبدلاً من فتح الممرات الإنسانية وتحييد الغذاء والدواء عن الصراع، يجري توظيف المساعدات كورقة ضغط سياسية وعسكرية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ولكل المواثيق التي تجرّم استخدام التجويع ضد المدنيين.
إن ما يحدث اليوم في الدبة لا يسيء فقط إلى صورة الجيش السوداني أمام العالم، بل يضع السودان كله في مواجهة فضيحة أخلاقية كبرى. فالدول لا تُقاس بعدد البنادق ولا بحجم الشعارات الوطنية، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته في أوقات الأزمات.
ولذلك فإن الصمت الدولي تجاه هذه الممارسات لم يعد مقبولاً، لأن السكوت على استخدام الغذاء كسلاح يعني المشاركة غير المباشرة في صناعة المجاعة. كما أن القوى الوطنية السودانية مطالبة بموقف أكثر وضوحاً وصلابة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي حرب هو أن يصبح الجوع نفسه جزءاً من الاستراتيجية العسكرية.
وحين تصل السياسة إلى مرحلة محاصرة الناس بالخبز والدواء، فإن القضية لا تعود صراعاً على السلطة، بل سقوطاً كاملاً في امتحان الإنسانية والتاريخ.



