رأي

تناقضات الساسة في العالم الثالث: بين إهمال الوطن واللجوء إلى الخارج

عبدالله محمد ادم - كمبالا

في مشهد يعكس أحد أكثر التناقضات إيلامًا في العالم الثالث، أعلن الدكتور معز عمر بخيت، الوزير المعين في حكومة الفريق البرهان في بورتسودان، أنه تعرض لكسر في ساقه أثناء محاولته حضور حفل وداع له في البحرين قبل استلام منصبه، الخبر بحد ذاته قد يبدو عابرًا، لكن التفاصيل اللاحقة تكشف عن قصة أعمق من الازدواجية والإهمال الذي يميز كثيرًا من النخب السياسية في دول تعاني من الحروب والأزمات و شعبها يُهجر ويُقتل فبعد الحادث، أعلن الوزير عن نيته التوجه إلى لندن للعلاج، متجاهلًا أن المستشفيات في السودان، وخاصة في مدن مثل نيالا والضعين وكتم في دارفور، قد دُمرت بالكامل بسبب الحرب و ملايين الأطفال والنساء والرجال يعانون من كسور وجروح, سببتها الحرب، لا تجد علاجًا، بل إن كثيرين يموتون بسبب نقص الأدوية والرعاية الطبية الأساسية، فكيف يقبل وزير صحة – أو أي مسؤول – أن يطلب الرعاية في الخارج بينما شعبه يُحرم من أبسط حقوقه؟ لكن هذا ليس مجرد موقف فردي، بل هو نموذج متكرر في العالم الثالث، حيث تتحول النخب الحاكمة إلى طبقة منفصلة عن واقع شعوبها، فبينما تُهمل المستشفيات والبنى التحتية في الداخل، يسارع المسؤولون وأسرهم إلى العواصم الغربية للعلاج والتعليم وحتى لقضاء العطلات.
هذه الازدواجية ليست فقط أخلاقية، بل هي سياسة ممنهجة تعمق الفجوة بين الحكام والمحكومين، وتُظهر أن ولاء الكثير من الساسة ليس لشعوبهم، بل لمصالحهم الشخصية.
و الأمر الأكثر إثارة للاستياء هو أن الدكتور معز قبل المنصب في حكومة يراها كثيرون غير شرعية، وساهمت – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تشريد الملايين وتدمير المدن ،فكيف يمكن لوزير صحة أن يبرر عمله في حكومة تدير حربًا تُفرغ المستشفيات من أطبائها ومرضاها؟ و كيف يقبل أن يكون جزءًا من نظام يتسبب في معاناة شعبه، ثم يهرب للعلاج في الخارج عندما يصيبه مكروه؟
في العالم الثالث، يصبح المنصب السياسي وسيلة للامتيازات وليس للخدمة، فبدلًا من أن يعمل الوزير على وقف الحرب وتحسين النظام الصحي، نراه يختار الطريق الأسهل: الانضمام إلى السلطة، ثم الهروب عندما يحتاج هو أو أسرته إلى رعاية ،و بينما يموت الأطفال بسبب نقص اللقاحات، يطير المسؤولون إلى أوروبا لأقل الأوجاع.
لو كان الدكتور معز يريد حقًا أن يكون وزيرًا للصحة، فليبدأ بتحمل المسؤولية الأخلاقية قبل السياسية و لو كان مؤمنًا بدوره، لطالب بوقف الحرب وإعادة إعمار المستشفيات قبل أن يفكر في علاج ساقه في لندن. لكنه، مثل كثيرين غيره، اختار أن يكون جزءًا من المشكلة لا الحل.
في النهاية، القصة ليست فقط عن وزير سوداني، بل عن نموذج متكرر في العالم الثالث: ساسة يبنون مجدهم على أنقاض شعوبهم، ثم يهربون عندما يحتاجون هم إلى ما حُرِم منه المواطنون. فمتى نرى حكامًا يعالجون في مستشفيات بلادهم، ويُصلحون ما أفسدته حروبهم قبل أن يطلبوا الشفاء في دول لم تُدمرها قراراتهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!