رأي

سلطة بلا تفويض: كيف يطيل البرهان وبورتسودان زمن الألم السوداني؟

تحليل سياسي صحيفة التنوير 

 

تحليل سياسي صحيفة التنوير 

لم يعد ممكنًا قراءة المشهد السوداني بمعزل عن الدور المباشر الذي تلعبه قيادة الجيش برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، وما يُعرف بسلطة بورتسودان، في إدامة الحرب وتعميق معاناة السودانيين. فهذه السلطة، التي تفتقد إلى أي سند دستوري أو تفويض شعبي، لا تمارس الحكم بقدر ما تدير الأزمة بعقلية المراوغة وكسب الوقت، على حساب الدم والخراب والانهيار الشامل.

منذ انقلاب أكتوبر، فقدت هذه السلطة أهليتها السياسية والأخلاقية، وتحولت من طرف يُفترض أن يحمي الدولة إلى لاعب رئيسي في تفكيكها. فالبرهان، الذي يتحدث باسم “السيادة” و“شرعية الدولة”، يقود سلطة أمر واقع نشأت من انقلاب على الانتقال المدني، وبالتالي فهي سلطة فاقدة للشرعية من الأساس، ولا تملك الحق في الحديث باسم الشعب أو مصادرة إرادته.

تعتمد سلطة بورتسودان على خطاب مزدوج، ظاهره الحرص على إنهاء الحرب وباطنه إدامتها. فهي تعلن قبولها بالمبادرات الإقليمية والدولية، ثم تفرغها من مضمونها عبر شروط تعجيزية ومواقف متقلبة، هدفها الواضح هو إطالة أمد الصراع حتى تفرض واقعًا سياسيًا جديدًا بالقوة. هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بالمراوغة السياسية، التي تُستخدم كأداة لإدارة الحرب لا لإنهائها.

الأخطر أن هذه المراوغة تُمارَس بينما يعيش الشعب السوداني واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه. ملايين النازحين، مدن مدمرة، اقتصاد منهار، وخدمات أساسية شبه معدومة، في مقابل سلطة منشغلة بتثبيت وجودها لا بإنقاذ البلاد. ومع كل يوم تأخير متعمد في الوصول إلى وقف إطلاق نار حقيقي، تتضاعف معاناة المدنيين، ويزداد تفكك النسيج الاجتماعي.

إن سلطة بورتسودان، بقيادة البرهان، لا تتصرف كحكومة مسؤولة تسعى لحماية مواطنيها، بل كطرف في صراع يسعى لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، حتى لو كان الثمن هو استمرار نزيف الدم. فهي ترفض أي مسار سياسي شامل لا يضمن لها الهيمنة، وتُفرغ مفاهيم مثل “السيادة” و“الكرامة الوطنية” من معناها، لتحولها إلى شعارات تُستخدم لقمع الأصوات المطالبة بالسلام والديمقراطية.

كما أن إصرار هذه السلطة على تجاهل جذور الأزمة، والاكتفاء بإدارة الحرب أمنيًا، يكشف عن إفلاس سياسي واضح. فلا يمكن لحرب داخلية معقدة أن تُحسم بالشعارات أو بالحلول الصفرية، ولا يمكن لدولة أن تُبنى على أنقاض إرادة شعبها. إن أي حديث عن الاستقرار دون مسار مدني ديمقراطي هو وهم يُسوَّق لإطالة عمر سلطة فقدت أهليتها.

في الخلاصة، فإن البرهان وسلطة بورتسودان لا يطيلون أمد الحرب فحسب، بل يطيلون زمن الألم السوداني نفسه. فغياب الشرعية، ورفض الحلول الجادة، والمراوغة المستمرة، كلها عناصر تجعل هذه السلطة جزءًا أصيلًا من المشكلة لا جزءًا من الحل. ولن يخرج السودان من نفق الحرب إلا بإسقاط أو تجاوز هذا النهج، والعودة إلى إرادة المدنيين، بوصفها الطريق الوحيد لسلام حقيقي ودولة تستحق اسمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!