
منذ انقلاب أكتوبر 2021، تحولت الساحة السياسية في السودان إلى فضاء يغيب عنه العقل وتُهيمن عليه البندقية. لم يعد مستغربًا أن تتحوّل المناصب الوزارية إلى غنائم حرب، لا مسؤوليات دولة، وأن يُصبح معيار التعيين هو الانتماء المسلح لا الكفاءة، والولاء الفصائلي لا النزاهة أو الخبرة، حتى أن سلامة السجل الأمني لم تعد شرطاً، إلا حين تقتضي الضرورة السياسية استخدامه كذريعة.
أحدث الأمثلة – بحسب ما راج في وسائل التواصل الاجتماعي- على هذا الواقع المختل ما جرى مؤخرًا في ملف ترشيح السيد نور الدائم طه، أحد قيادات حركة تحرير السودان (جناح مني أركو مناوي)، لتولي وزارة المعادن. رغم استكمال كل الإجراءات الشكلية لترشيحه، اصطدم الملف بـ”رفض أمني” مفاجئ، استنادًا إلى معلومات قيل إنها “خطيرة”، لكنها غير قابلة للنشر، ولا تخضع لأي جهة رقابية مستقلة.
تسريبات إعلامية ربطت هذا الرفض بشبهات حول صلات مزعومة بين المرشح وجهاز الموساد الإسرائيلي، كما تحدثت عن عمل سابق له في معبد يهودي بلندن. ورغم عدم صدور أي تصريح رسمي يؤكد أو ينفي هذه المزاعم، فإن الصمت الحكومي والمفاوضات الجارية خلف الكواليس تكشف عن أزمة أعمق: أجهزة الدولة السيادية لم تعد مؤسسات وطنية مستقلة، بل تحولت إلى أدوات في صراع السلطة، تخدم أجندة التحالفات الانقلابية لا مصلحة الوطن.
لكن حتى لو سلّمنا جدلاً بصحة تلك المزاعم، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي الأكثر إلحاحًا هو:
من هو العميل الحقيقي؟
هل هو مرشح مغمور لمنصب وزاري محدود، لم يُعلن عن أي موقف علني تجاه إسرائيل؟
أم هو من التقى علنًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتبي عام 2020؟
هل هو من يُتهم بعلاقات في الظل، أم من استقبل مبعوث الموساد داخل القيادة العامة في الخرطوم في زيارة موثقة، ثم أرسل وفدًا رسميًا إلى تل أبيب بعد ذلك؟
إذا كانت العلاقة مع إسرائيل تُعد تهمة، فمن الأولى بالمساءلة؟
نور الدائم الذي لم يدخل الوزارة؟ أم عبد الفتاح البرهان الذي استخدم العلاقة مع إسرائيل كورقة تفاوض للحصول على دعم خارجي يؤمّن انفراده بالحكم تحقيقًا لطموح شخصي يستند علي حلم لوالده؟
ما جرى في حالة ترشيح نور الدائم، سواء ثبتت الادعاءات أو لم تثبت، يؤكد انهيار منظومة القيم والمعايير في إدارة الدولة. لقد أصبح الطريق إلى الوزارة يمر عبر البندقية، وأضحى الولاء المسلح هو جواز المرور إلى السلطة. في ظل هذا الواقع، لن تكون هناك حكومة مدنية حقيقية، بل استمرار للحرب والانهيار، لأن الدولة التي تُبنى على أساس الغنائم والمحاصصات لا تنتج سوى الفشل.
إن الطريق لنهضة السودان لا يبدأ بانتقائية في فحص خلفيات المرشحين، بل بإعادة تعريف من هو “العميل” ومن هو “الوطني”، وفق معيار المصلحة العامة، لا عبر ميزان القوى العسكرية أو منطق الابتزاز السياسي. فالسيادة لا تُحمى بالشعارات، والوطن لا يُبنى بتوزيع الوزارات كتعويض أو رشوة.



