
نجم الدين دريسة
“في زمن الفوضى، لا يُهزم الحق إلا حين يصمت.” – محمود درويش
في زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاء وتضيع الحقيقة بين ركام الدعاية، يصبح الوعي هو ساحة الحرب الأعمق والأخطر. ما يجري في السودان اليوم ليس فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على العقول، بين من يمتلك الشجاعة ليقول الحقيقة كما هي، ومن يُصرّ على تزييفها حفاظًا على سلطةٍ فقدت معناها ومشروعيتها.
لقد تحوّل إعلام الفلول إلى معملٍ دائم لإنتاج الوهم، يوظف كل ما تبقّى من أدواته في صناعة صورة مقلوبة عن الواقع، محاولةً يائسة لإنقاذ ما لا يُنقذ.
تحرير مدينة الفاشر كان لحظةً فاصلة، لم تكتفِ بإعادة رسم خرائط السيطرة الميدانية، بل أعادت تعريف الحقيقة نفسها. فبينما تناقلت الشاشات العالمية صور القوات المنتصرة، ووجوه الناس التي استقبلت النصر بالأمل، أصرّ إعلام الفلول على نكرانٍ ساذج، يشي بمدى الانفصال بين خطابه والواقع.
وكأنهم يخاطبون أمةً بلا ذاكرة، أو جمهورا لا يرى. لكنّ الصور لا تكذب، والوقائع لا يمكن مسحها بالبيانات، لأن الحقائق حين تولد، لا تموت.
منذ بدايات الحرب، كانت الأكاذيب وقودًا لآلة التضليل. أشاعوا موت قائد قوات الدعم السريع، ثم لما ظهر حيًّا أمام العالم، قالوا “ذكاء اصطناعي”! لم يدركوا أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع محاكاة حرارة الميدان ولا توهج العيون التي رأت النصر.
الكذب عندهم ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل منهج تفكير وأسلوب حكم. ولأنهم فقدوا القدرة على الإقناع، لجأوا إلى الخداع، ولأنهم فقدوا السيطرة على الواقع، حاولوا السيطرة على الوعي.
“يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.” – أبراهام لنكولن
هذه الحكمة القديمة تكاد تُكتب علي جدران إعلام الفلول. لقد استنفدوا رصيدهم من المصداقية حتى لم يعد الناس يلتفتون إلى بياناتهم. صار خطابهم بلا روح ولا صدق، مجرد صدى باهت لعهدٍ ولى.
وما زاد الطين بلة أن جماعة الهوس الديني التي اختطفت الجيش والإعلام معًا، جعلت من المنابر أداة لتزيين القبح وتبرير الفشل. يتحدثون عن “الكرامة” وهم يدهسونها، وعن “الوطن” وهم يبيعونه في سوق السلطة الرخيصة.
غير أن الحقيقة، مهما حوصرت، تمتلك قدرة عجيبة على النجاة. في كل مرة يحاولون طمسها، تعود أقوى. وفي كل مرة ينكرونها، تفضحهم الوقائع. لقد انكشف مشروعهم السياسي والفكري، وسقطت الحركات التي كانت تلوّح بالشعارات الخاوية، وتهاوت معها أقنعة الادّعاء الثوري والوطني.
أما الشعب السوداني فقد خرج من بين أنقاض الحرب أكثر وعيًا وصلابة، يدرك أن من يكذب عليه لا يقاتل لأجله، وأن من يخاف الحقيقة لا يستحق الثقة.
“حين تُقتل الحقيقة، تُدفن معها الكرامة.”
إن ما يجري اليوم ليس صراعًا بين جيشٍ وقوات، بل بين الصدق والزيف، بين الوعي والتضليل، بين وطنٍ يريد أن يولد من رحم الحقيقة، وسلطةٍ تختبئ في ظلال الأكاذيب.
لقد سقط الوهم أخيرًا، وتعرّى الكذب حتى صار ضوء الحقيقة يجرحه من كل جانب. سيظل السودان، برغم جراحه، وطنًا للحقيقة لا للوهم، وللصدق لا للدعاية.
وحين تنجلي الغيوم، سيعلم الجميع أن آخر معاقل الفلول لم تكن الدبابات ولا القصور، بل الأكاذيب… وقد سقطت.




