
في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، وواقع رقمي يتطلب تفكيرًا ديناميكيًا يتفاعل مع التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يبدو الإسلام السياسي وكأنه يغرد خارج السرب، غارقًا في مفاهيم تقليدية تجاوزها الزمن، ومتشبثًا بخطاب ماضوي لم يعد له مكان في عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والديمقراطية التشاركية.
فهذا التيار، وعلى رأسه تنظيم الإخوان المسلمين وتفرعاته، يواجه اليوم حزمة من التحديات الوجودية العميقة، تبدأ من حالة اغتراب فكري ومفاهيمي، وتصل إلى عجز واضح عن تقديم بدائل واقعية قابلة للتطبيق. يكمن جوهر المأزق في إصرار هذه الجماعات على فرض خطاب يقوم على شعارات قديمة ومفاهيم متآكلة، تحاول أن تُلبسها ثوب القداسة الدينية، وتمنحها شرعية دينية مطلقة، رغم أنها أبعد ما تكون عن جوهر الدين وروحه المتجددة.
إن محاولات “التوفيق بين الأصل والعصر” التي يدّعيها منظرو الإسلام السياسي، سرعان ما تنهار أمام تناقضات صارخة بين ما يطرحونه نظريًا وما يمارسونه عمليًا، حيث تتحول الشعارات إلى أدوات للاستيلاء على السلطة، لا إلى قيم لبناء الدولة أو تحسين حياة الإنسان. فالسعي إلى الحكم هو الغاية الكبرى، والوسيلة لذلك مهما كانت مشروعة في عرفهم – حتى إن تطلب الأمر الانقلاب والعنف – تظل مبرّرة ما دامت تفضي إلى سدة السلطة.
لكن ما أن تصل هذه الحركات إلى الحكم، حتى تظهر هشاشتها البنيوية وسطحية مقارباتها، إذ سرعان ما تتعثر وتفشل في تقديم حلول منطقية لأزمات الواقع المعقد، من الاقتصاد إلى الحريات، ومن العدالة إلى قضايا المرأة والمواطنة. بل إنها تتعامل مع هذه المفاهيم بروح إقصائية، تنظر إليها كتهديد لهويتها، لا كفرصة للتطور والانفتاح.
ورغم إخفاقاتها المتكررة، لا تزال هذه الجماعات تكرر ذات الشعار الممجوج: “الإسلام هو الحل”. وهو شعار لا يتجاوز كونه غلافًا دعائيًا هشًا، فحتى أولئك الذين يُسمون “كتّاب الصحوة الإسلامية” ويؤسسون لفكرة الدولة الإسلامية، يستندون إلى مبادئ لا تختلف كثيرًا عن مقاربات الدولة المدنية الحديثة – من حرية وعدالة وشورى ومساواة – لكنها مقولات لا تُطبّق على الأرض، بل تُوظف فقط لتجميل الخطاب الخارجي.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الخلط بين السياسي والدعوي، بل في الموقف الملتبس والمرتبك لهذه الحركات من قضايا التطرف والعنف. إذ تؤكد العديد من الشواهد التاريخية والمعاصرة وجود صلة عضوية بين خطاب الإسلام السياسي، خاصة في نسخته الإخوانية، وبين مناهج التطرف، كما يتجلى في كتابات سيد قطب، لا سيما “معالم في الطريق”، الذي أسس لمفاهيم الحاكمية والجاهلية، ومهّد الطريق لتبرير العنف باسم “تغيير الواقع الفاسد”.
لقد كانت الجماعة، منذ تأسيسها، على صلة بتنظيمات عسكرية سرية مارست الاغتيالات والتصفيات الجسدية، وهو إرث ظل حاضرًا في بنيتها، وإن حاولت تجميله بخطاب مزدوج: خارجي موجه للغرب يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وداخلي يستند إلى التعبئة والتجييش والتحريض على الكراهية، وتبرير الإرهاب باسم الدفاع عن الدين.
هذا التناقض البنيوي في الخطاب بين الداخل والخارج، بين القول والفعل، بين الشعارات والممارسة، يشكّل أحد أكبر التحديات أمام جماعات الإسلام السياسي، ويجعل من أي حديث عن مراجعات فكرية حقيقية مجرد وهم لا أساس له. فما دامت هذه الحركات أسيرة لعقيدة سلطوية ترى في الدولة غنيمة وفي الحكم “فتحًا”، فإن أي محاولة لتطوير خطابها ستظل ناقصة ومشوّهة.
المطلوب اليوم ليس فقط مراجعة شكلية، بل تجاوز جذري لهذا الخطاب الماضوي الذي عفا عليه الزمن. خطاب لا يتسق مع تعقيدات الدولة الحديثة، ولا يقدّم تصورًا جامعًا يتسع للتعددية، ولا يملك أدوات عقلانية للتعامل مع معطيات العالم الجديد. فالزمن الذي كانت تُفرض فيه الشعارات الجوفاء قد ولى، ولم يعد الناس يقبلون بخطاب يستغل الدين ليُكرّس التسلط ويُبرر الفشل.
في الختام، فإن مستقبل السياسة في منطقتنا مرهون بمدى قدرتنا على الانتقال من شعارات فارغة إلى مشاريع حقيقية، ومن وصاية دينية إلى عقد اجتماعي حديث، يحترم الإنسان ويحتكم إلى العقل، لا إلى غبار الماضي وخطابات القداسة الزائفة.



