رأي

مليون معرضون للكوليرا .. وصراع حول الوزارات في بورتسودان!!

على احمد

 

كشفت وزارة الصحة في حكومة الأمر الواقع، الثلاثاء 15 يوليو 2025، عن تسجيل ما لا يقل عن 674 حالة كوليرا جديدة و13 وفاة خلال أسبوع واحد فقط، ليرتفع بذلك عدد المصابين في البلاد إلى نحو 88 ألف حالة، توفي منهم 2264 شخصًا. وانتشر الوباء في 12 ولاية من أصل 18، في واحدة من أسوأ موجات الكوليرا التي تضرب السودان في تاريخه الحديث.

الأرقام الصادرة من منظمة الصحة العالمية ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لا تقلّ فزعاً؛ إذ أكدت أن أكثر من 33 مليون شخص – بينهم ما لا يقل عن 6 ملايين طفل دون سن الخامسة – معرضون لخطر الإصابة بالكوليرا إن لم تتخذ السلطات والجهات الدولية تدابير عاجلة وحاسمة. وتشير التقارير الميدانية إلى أن أغلب الإصابات ناتجة عن تلوث مياه الشرب، لا سيما في مناطق النزوح الداخلي والمجتمعات المحرومة من خدمات الصرف الصحي الأساسية.

ولم يكن الصيف السوداني هذا العام قاسيًا فقط بحرارته، بل بأوبئته. فقد حذرت وزارة صحة بورتسودان أيضًا من تزايد حالات الإصابة بحمى الضنك، خصوصًا في ولاية الخرطوم، حيث سُجلت آلاف الإصابات منذ بداية العام، وسط بنية صحية متداعية وشحّ شديد في الأدوية ومبيدات مكافحة النواقل.

على الصعيد الدولي، أطلقت منظمة الصحة العالمية حملات تطعيم شملت أكثر من 2.2 مليون شخص في الخرطوم، وخصصت 950 ألف دولار من صندوق الطوارئ لدعم مراكز العلاج وتدريب الكوادر الطبية، إلا أن الاستجابة الدولية لا تزال دون المستوى المطلوب. خطة الطوارئ الصحية التي وضعتها الأمم المتحدة للسودان تحتاج إلى 135 مليون دولار، لم يُموّل منها حتى الآن سوى 20٪، وهو عجز كارثي في ظل تسارع انتشار الوباء واتساع رقعته.

وفي الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمة، تُظهر حكومة الأمر الواقع في بورتسودان انفصالاً تاماً عن مشكلات الناس. فبينما يتفشّى المرض وتنهار المنظومة الصحية، تنشغل السلطة بتوزيع الحقائب الوزارية على أسس قبلية وحسابات تتعلق بـ “من حمل السلاح”، وسط صمت مريب تجاه الكارثة الصحية. لم تُعقد أي جلسة وزارية مخصصة للطوارئ منذ مايو، فيما تكررت اجتماعات مغلقة لبحث محاصصة السلطة وتقاسم المناصب بين الكيانات العسكرية والسياسية.

والأخطر من ذلك، أنّ مصادر مطّلعة أكدت إعادة توجيه اعتمادات مالية كانت مخصصة لصيانة محطات المياه في ولايتي الجزيرة والنيل الأبيض، إلى ما سُمّيت “مكافآت تحفيزية” لقيادات بارزة في التحالف الحاكم، في فضيحة مالية لم تنفها حتى الآن وزارة المالية أو مكتب رئيس الوزراء.

إنّ الأوضاع الصحية في السودان لا تحتمل المزيد من التهاون السياسي أو التنازع على السلطة. المطلوب اليوم، وبإلحاح، إعلان حالة طوارئ صحية اتحادية، وإخراج ملف الصحة من دائرة التفاوض السياسي وتغوّلات المحاصصة. كما يجب فتح ممرات إنسانية عاجلة لتسريع دخول الأدوية الأساسية لمواجهة الكوليرا والضنك، ووضع ميزانية الطوارئ الصحية تحت إشراف دولي ووطني مشترك.

الكوليرا ليست مجرد وباء عارض، بل مرآة كاشفة لنظام صحي هشّ، وسلطة مُنهكة أو مُنشغلة، وشعب تُرك ليواجه الموت وحده على قارعة الإهمال واللامبالاة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!