رأي

إعدام واتساب!

منعم سليمان

في بورتسودان، حيث اتخذ البرهان وكيزانه من الميناء سفينةً لتيهٍ بلا شراع، صدر القرار، لا كقرارٍ إداري عابر، ولا بمسببات تجارية قبلها الناس أو رفضوها تظل مفهومة، بل هو قرار يحمل إشارة البداية لحقبة قمعٍ جديدة، بإعادة نظام قديم في صورة أكثر توحشًا.
جاء في البيان: تقييد المكالمات الصوتية والمرئية عبر واتساب، حفظًا للأمن القومي.
لكن أيُّ أمنٍ هذا الذي يرتعد من صوتِ أمٍّ تُهدهد ابنها من الغربة؟
أيُّ أمنٍ هذا الذي يخاف من أنينِ زوجةٍ ثكلى، من دمعِ جائعٍ وخائف، من تنهيدةٍ تُقال على استحياء في زاوية محادثة؟
أيُّ وطنٍ هذا الذي تزعزع أمنه صورةُ عاشقٍ يبتسم لحبيبته عبر شاشة؟
لكنهم لا يقيّدون الصوت والصورة درءًا لخطرٍ حقيقي، بل لأنهم يعلمون أن ما يهددهم هو الحقيقة، والصوت الحر، والصورة التي لا يمكن تزويرها .. صورة قطع الرؤوس، وجزّ الأعناق، والكيماوي!
هذا القرار ليس احترازًا أمنيًا، بل هو الإيذان العلني بانطلاق ماكينة القمع الجديدة، بواجهةٍ محسّنة، وبنبرةٍ تساير لغات الدولة الحديثة لتُعيد الطغيان القديم.
إنهم لا يمنعون الاتصالات، بل يمنعون التواصل. لا يغلقون التقنية، بل يغلقون النوافذ بين الناس، ويقيمون بينهم جدران العزلة، تمهيدًا لتأسيس سجنٍ كبيرٍ اسمه السودان.
هذا القرار، بقدر ما هو قيدٌ رقمي، هو أيضًا صفحة أولى وأخيرة في كتاب حلم البرهان بتأسيس نظامٍ عسكري/كيزاني، يُعيد تشكيل المسرح؛ يبدأ بقطع العصب الحيّ بين الناس، وتكسير الجسور الرقمية، وحصار الذاكرة الحيّة، تمهيدًا لاحتكار الرواية، وتحنيط الحقيقة.
ولكنه حلم من جملة أضغاث، ظلّت تراود الرجل منذ اليوم الأول لانقلابه على إرادة الشعب وسحق أحلامهم، فظلّ يتخبّط يمنةً ويسرة كمن يتخبطه الشيطان من المسّ لتحقيقه… وهيهات!
ومن يقرأ التاريخ يعلم: إنه حين يُمنع الصوت، تولد الأغاني. وحين تُحجب الصورة، تُنحت الجداريات. وحين يُخنق الشعب، تولد الثورة.
والسودان بلدٌ علّم الطغاة أن الصمت لا يُطاع، وأن الشعب، مهما طال خنقه، سينهض ويصرخ ويعيد الكتابة، ولو على جدران السجون.
ثم كيف يُخيف القمع من عاش الموت؟
البرهان ومن وراءه كيزانه لم يتعلموا من التجربة الأولى، ولم يدركوا أن آخر ما يفعله الطغاة قبل سقوطهم هو الصراخ ومحاربة الهواء.
وهذا القرار لن يُخفي حقيقة، ولن يُقيّد شعبًا، بل يفضح جُبنًا، ويُعلن بداية النهاية لحلم رجلٍ ظنّ أن الحرب تاج، فلبسه حتى أكلت نيرانه عرشه.
الكيزان، وقد أحرقوا البلاد، ظنّوا أن بوسعهم أن يُحرقوا الأصوات أيضًا. لكن الصوت لا يُحرق، بل يتناسل في بطون الجياع، ويكبر في حناجر اليتامى، ويثور في وجدان وطنٍ أُشعلت فيه الحرب كي يُخمد.
والبرهان إذ يمدّ يده ليخنق الضوء، لا يدري أنه إنما يسقط في الظلام.
إنهم لا يُقيّدون واتساب، بل يحاولون تقييد السودان، ولكن هذا القيد لن يُطيل عهده، بل يُكتب به: سطر الختام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!