
لم يكن ما أُعلن في بورتسودان عن ما سُمي بانسحاب بعض الأفراد عن قوات الدع_م الس_ريع سوى فصل هزيل في مسرحية سياسية مستهلكة، أبطالها أفراد بلا أثر، قرروا مغادرة ميادين الوعي والفكر الحر، لا لأنهم اكتشفوا فجأة خطل المشروع الذي كانوا يدعون الانتماء إليه، بل لأنهم ببساطة لم يكونوا يوماً منه، ولا فيه، ولا حتى على أطرافه ، إنهم حملة أباريق يبحثون دوماً عن موطئ قدم قرب البلاط، وقد ظنوا أن اللحظة مواتية لتقديم أوراق اعتمادهم للجلاد، متدثرين بلغة زائفة عن الضمير والوطن، بعد أن عجزوا عن فهم طبيعة المرحلة ومتطلباتها.
والمفارقة أن المؤتمر الذي عُقد لتسويق هذا الانسحاب، وصفهم بـ”المستشارين”، بينما الحقيقة التي يعرفها كل من في المشهد أن هؤلاء ليسوا مستشارين على أي مستوى، بل مجرد أعضاء لجان تم حلها منذ شهور، ولم يعد لهم أي صفة تنظيمية أو موقع فعلي داخل مؤسسات قوات الدع_م الس_ريع ، إن إطلاق وصف “مستشار” عليهم ليس سوى محاولة فاشلة لإضفاء وزن رمزي على حدث أجوف، ولتضليل الرأي العام بمسميات لا تستند لأي واقع.
كلمة “مستشار او عضو ” توحي بالحكمة وبُعد النظر، والانغماس في إنتاج الفكرة وصياغة البدائل، لكن ما رأيناه لا يمت إلى ذلك بصلة ، هؤلاء لا يُعرف لهم اجتهاد تنظيمي، ولا مساهمة فكرية، ولا موقف سياسي يُعتد به، بل قضوا زمنهم في محيط الفكرة، يقتاتون على ظلها دون أن يدخلوا إلى جوهرها ، وحين ضاق عليهم مجال المراوغة، واشتدت شروط الانحياز، ارتدوا على أعقابهم، والتحقوا بالمعسكر الذي يتقن لعبة تضخيم الهامش واستخدام الرموز التالفة في حربه الدعائية ، لم يكن خروجهم موقفاً نابعاً من بصيرة، بل انسحاباً مأجوراً نُفذ بحرفية الأجهزة، لا بإرادة القيم.
ما سُمي بالانسحاب لا يعدو كونه ارتداداً صغيراً من أطراف لم تكن يوماً في قلب الحركة، بل كانت تلوك اللغة دون وعي، وتحاول تبرير تخلفها النظري والعملي بالتماهي مع مواقف رمادية ، ولما اشتدت حرارة اللحظة وبدأ الوطن يولد من رماده على يد قوى جديدة غير خاضعة لمقاييس المركز، تخلوا عن كل ما كانوا يدعونه، واختاروا طريقاً معلوماً نهايته، هو طريق الذهاب إلى جلادهم طوعاً، ليستعيدوا أدواراً خدمية كانوا قد فُطموا عنها مؤقتاً ، هؤلاء لا يخرجون من مشروع، بل يُسلمون منابر لكي يُعاد تدويرهم كواجهة ناعمة لأجهزة تعرف كيف تصنع الغبار وتبيعه للرأي العام بوصفه موقفاً سياسياً.
ليسوا فاعلين حقيقيين في المشروع، بل كانوا وما زالوا امتداداً لنمط من الشخصيات التي يُراد منها أن تملأ الفراغ، وتُستخدم كأدوات تجميل للسلطة، في صيغ استعراضية لا تصنع أثراً في الواقع ولا تُغير مساراً ، وهم اليوم يُعاد استخدامهم من ذات البنية القديمة التي خبرت كيف تصنع من اللاشيء صدى، ومن الأصوات المعطوبة واجهة ناصحة، وكل ذلك في محاولة يائسة لخلق صورة مضادة للمشروع الوطني لقوات الدع_م الس_ريع، الذي بدأ يتبلور كمفهوم جديد للسلطة الشعبية المرتبطة بالهامش والمقهورين.
حين تشتد اشتراطات الفعل الوطني تظهر المعادن ويسقط الزائفون ، إن هؤلاء بهروبهم لا بانسحابهم، يؤكدون أن ما يجري ليس تصدعاً في الفكرة، بل تطهراً منها فمن لم يحتمل صرامة اللحظة، ومن ارتبك أمام بوصلة الوعي، فمصيره أن يسقط حيث يليق به، في هوامش الخطاب الأمني لا في صميم مشروع التغيير ، إن انكشافهم ليس خسارة بل ضرورة، لأن الفكرة لا تُقاس بعدد المصفقين لها، بل بمن يصمدون عند محك الفعل والتاريخ لم يحتفي يوماً بمن غادروا القافلة في منتصف الطريق، بل كتب بإجلال أسماء من حملوا نارها حتى وهم يمشون حفاة في ليل الخراب.
ما حدث ليس حدثاً سياسياً بقدر ما هو فضيحة رمزية، تُبرز من جديد كيف أن البنية القديمة ما تزال تراهن على البؤس، وتبحث في كل مرحلة عن “حملة أباريق” تُعيدهم إلى الواجهة من مداخل ملتوية ، لكن ما لم تفهمه تلك البنية هو أن الزمن تغير، وأن الشعب السوداني لم يعد يقرأ بيانات مصنوعة في مكاتب مظلمة على أنها مواقف، ولا يتعامل مع الوجوه المهزوزة كرموز، بل يرى ما وراء المظهر، ويميز المقاتل من المتسلق، والمفكر من المتواطئ.
المشروع الوطني الذي تسعى له قوى الهامش الحقيقي، ليس بحاجة لمن يُزايد عليه باسم الوطنية، ولا لمن يحاول إضعافه بالتصريحات المسفوحة في المنابر الرسمية، بل يمضي بمن آمن به، ممن قرروا البقاء في الميدان مهما كانت التكلفة. أما الذين اختاروا الهروب، فليسوا إلا شهود زور على زمنهم، لا يمثلون إلا خيبتهم الشخصية، ولا يحملون من الوطن إلا قشوره التي يرفعونها كلما ضاق بهم الحال بحثاً عن منصب أو صحن.
وفي النهاية يبقى السؤال الأخلاقي والوطني معلقاً في عنق كل من اختار أن ينحاز للجلاد باسم الضمير.، ذلك أن الضمير لا يُباع على منابر الأجهزة، ولا يُكتب في بيانات مسمومة، الضمير الحقيقي هو ما يتجلى حين تختار الطريق الأصعب، وتصبر على نار المرحلة، وتُعيد تعريف “العضو” لا كحامل إبريق، بل كصانع وعي، وشاهد حق، وفاعل في مسيرة وطن لن يُبنيه الجبناء ولا المزورون.




