
مني عبدالله دلدوم
الحرب في السودان ليست حرباً على الأرض فقط، بل حرب على الروح، على الذاكرة، على شبابٍ كان يُفترض أن يكونوا زهور الغد فإذا بهم يتحوّلون إلى وقودٍ لرغبات الطغاة. لا يوجد ما هو أبشع من أن ترى وطنك يُذبح على مائدة الطمع الشخصي، وأن يتحوّل دم الشباب إلى جسر يعبر عليه أمراء الحرب وتجار الخراب. السؤال “متى تنتهي الحرب؟” هو في الحقيقة سؤال عن متى سينتهي عهد الجبن، متى سينتهي صمت الأغلبية، متى ينكسر ظهر المتاجرين بالدماء.
هذه الحرب ولدت من رحم أنانية عمياء، من حسابات ضيقة لرجال لم يروا في السودان سوى غنيمة. وكردفان اليوم، كما دارفور من قبل، تدفع الثمن الباهظ من دماء أبنائها وأحلام شبابها. شبابٌ كانوا يحلمون بالعلم والعمل وبناء المستقبل، فإذا بهم يدفنون بعضهم البعض، يتركون الأمهات ثكالى والأطفال أيتاماً. والسبب؟ حفنة من الحاسدين، حفنة من الطامعين، حفنة من مرضى النفوس الذين جعلوا الوطن سجناً ومسلخاً.
من يظن أن هذه الحرب ستنتهي بمؤتمر صوري أو اتفاق سلام على الورق فهو واهم. الحرب ستنتهي فقط حين يقتنع الشعب أن صبره صار جريمة، وأن السكوت صار مشاركة في القتل. كل من يتفرج بصمت، كل من يساوم على دم الأبرياء، هو شريكٌ في الجريمة. هذه ليست مجرد حرب بين جنرالات، بل هي مؤامرة لتدمير ما تبقى من جسد السودان المنهك، ولتحويله إلى ساحة نفوذ تتقاسمها قوى الداخل والخارج.
ألم نتعلم بعد؟ ألم نتجرع مرارات الحروب السابقة؟! كم مرة سيُستنزف شبابنا حتى نفهم أن السودان صار ملعباً للمرتزقة، وأن ثرواته صارت لعنةً على أهله؟ الذهب، الأراضي الزراعية، الموقع الاستراتيجي… كلها تحوّلت من نعمٍ إلى نقم لأن الحاكم الفاسد لا يرى فيها فرصة للإعمار، بل وسيلة للسطو.
أنا غاضبة، غاضبة من مشهد الشباب الذين يذهبون كالورد إلى محرقة لا يعرفون نهايتها. غاضب من قادةٍ جبناء يتحدثون عن الوطنية بينما بناتهم وأبناؤهم ينعمون في القصور خارج الوطن. غاضب من مجتمع دولي منافق يذرف دموع التماسيح بينما يبيع السلاح للقتلة. غاضب من إعلام بائس يساوي بين الجلاد والضحية.
هذه ليست حرب دفاع، إنها حرب أطماع. وكل من يحاول تجميلها بخطابات الوطنية الكاذبة إنما يخون الحقيقة. السودان اليوم بحاجة لثورة داخل الثورة، لانتفاضة تكسر ظهر الطغاة وتعيد الوطن إلى أهله. لا أحد سيحمي كردفان ودارفور والخرطوم إلا أبناء السودان أنفسهم، حين يدركون أن دم الشهداء أثمن من أن يُباع على موائد السياسة.
متى تنتهي الحرب؟ تنتهي عندما نكسر لعبة الصمت. تنتهي عندما ينهض الناس من الركام ويقولوا بصوت واحد: كفى. كفى للدم، كفى للطمع، كفى للخيانات. تنتهي حين يدرك الجندي أن السلاح في يده لا يجب أن يُوجَّه لصدر أخيه بل لوجه من أرسله للقتل.
السودان لا يستحق أن يكون مقبرة لأبنائه، بل يستحق أن يكون وطناً للعدل والحرية. لكن ذلك لن يحدث بالانتظار أو الدعاء وحده، بل بالرفض، بالمواجهة، وبإسقاط كل من جعل من دمائنا تجارة. هذه حرب على روح الوطن، وعلى كل شريف أن يختار: إما أن يكون وقودها، أو أن يكون سيفاً يقطع جذورها.
منى عبدالله دلدوم
المانيا




