رأي

كيف يستقيم الظل و العود اعوج 104؟

الصديق المريود - اريزونا الولايات المتحدة الامريكية

الصديق المريود

الانقسام داخل حزب الأمة… بين مأساة التاريخ وفرصة التأسيس

ردٌّ على مقالة الأستاذة رشا عوض: “خطورة الانقسام غير المعلن في حزب الأمة”

تابعت باهتمام بالغ المقالة الرصينة التي خطّتها الأستاذة رشا عوض تحت عنوان “خطورة الانقسام غير المعلن في حزب الأمة”، والتي عرضت فيها تشريحًا عميقًا ومؤلمًا للحالة الراهنة التي يمر بها حزب الأمة القومي، وانعكاسات انقسامه على مستقبل السودان ووحدة قواه المدنية. وقد وجدت نفسي متفقًا معها في كثير مما ذهبت إليه، لاسيما في إضاءتها الحادة لمسألة التهميش التاريخي الممنهج الذي تعرض له أبناء الأنصار، والتناقض الصارخ بين خطاب بعض قيادات الحزب الراهنة ومصالح قاعدته الاجتماعية الممتدة في الريف السوداني والمناطق المهمشة.

لقد أصابت الأستاذة رشا حين أعادت التذكير بأن تأسيس الدولة السودانية الحديثة – مدنيها وعسكريها – كان على أنقاض مشروع الأنصار، وأن المؤسسات التي شكلت العمود الفقري لهذه الدولة تم تشفيرها لحرمان قوى الريف، وعلى رأسها جماهير حزب الأمة، من الفعل السياسي الحقيقي. لقد تم “تحنيط” حزب الأمة في الذاكرة السياسية كقوة رجعية، بينما ظلت النخب المدينية تزايد باسم الحداثة والتمدن وهي تعيد إنتاج الإقصاء نفسه.

إن التاريخ القريب والبعيد يؤكد هذه الحقيقة: من رفض ضباط “قوة دفاع السودان” لانضمام الأنصار، إلى تواطؤات ما بعد الاستقلال التي سهّلت انقلابي عبود ونميري، إلى الانقلاب الثالث الذي قاده الإسلاميون على الديمقراطية الثالثة التي كان حزب الأمة عمادها. في كل مرة، كان الجيش أداة للاستبعاد، لا للحماية.

تساؤل الأستاذة رشا عن معنى “التماهي مع خطاب الدولة المركزية” من داخل حزب الأمة هو تساؤل جوهري، بل يجب أن يكون مدخلاً لتقييم جذري. كيف لحزب طالما تباهى بجذوره الثورية – من كرري إلى جيش الأمة في التسعينات – أن يُعيد إنتاج سردية الحرس القديم عن “مؤسسات الدولة القومية” و”جيش الوطن” وكأن هذه المؤسسات لم تكن هي الأداة التي طمست صوت الأنصار وهمشت مناطقهم واستباحت أرضهم؟

إذا كانت التجربة السودانية قد أثبتت شيئًا، فهو أن الاستقرار لا يأتي من تكرار نفس الوصفات الفاشلة، بل من مواجهة الحقيقة المؤلمة: الدولة السودانية، كما تأسست منذ 1956، ليست دولة عادلة، وليست دولة تمثّل الجميع. وبالتالي، فإن إعادة هيكلتها ليس رفاهًا فكريًا، بل ضرورة وطنية عاجلة.

ومن هنا، فإن ما يثير العجب – بل القلق – هو محاولة بعض التيارات داخل الحزب أن تُشيطن انخراط رموزه في “تحالف تأسيس”، متذرعين بأن ذلك انحراف عن الخط الوطني أو تغافل عن “طبيعة الدعم السريع”. وهذا اختزال مخل، يهرب من الواقع المعقد إلى شعارات فارغة.

إن تحالف “تأسيس”، كما بيّنت الأستاذة رشا بوضوح، ليس تبنيًا لبندقية الدعم السريع، بل هو تعبير عن لحظة سياسية مفصلية، انفتحت فيها نافذة نادرة لإعادة طرح سؤال الدولة: من يحكم السودان؟ كيف؟ وبأي شرعية؟ لقد رفض تحالف “تأسيس” أن يكون تابعًا للمؤسسة العسكرية بأي جناح، وطرح خيارًا مدنيًا ببرنامج سياسي متكامل يقوم على التغيير الجذري، لا الترقيع.

وحزب الأمة – وهنا بيت القصيد – لم يكن متفرجًا أو لاحقًا في هذا التأسيس، بل كان شريكًا مؤسسًا في التحالف، بزعامة رئيسه المكلف اللواء فضل الله برمة ناصر، وهذا موقف يحسب له، لا عليه، لأنه انحاز بوضوح لخيار مدني يفتح أفقًا جديدًا للسودان بعد خراب الحرب.

هنا أيضًا أتفق مع الأستاذة رشا في أن الموقف الراشد لا هو التماهي غير النقدي مع الدعم السريع، ولا هو التبني العدمي للسردية الإسلاموية التي تريد تحويل الدعم السريع إلى شيطان مطلق. فالحقيقة المؤلمة أن الدعم السريع هو نتاج مباشر للمركزية العسكرية والسياسية التي حكمت السودان لعقود – تلك التي صنعته بالأمس، تريد أن تلعنه اليوم لتغسل يدها من الجريمة.

ولكن ما يُحسب لقيادة الدعم السريع اليوم هو أنها – وبعد أن تفهّمت حجم الخديعة التي وقعت فيها بتحالفها مع الكيزان – بادرت للاعتراف بتقديراتها الخاطئة، واعتذرت للشعب السوداني عن كل ما بدر منها، واصطفت بوضوح مع الثورة ومطالب التغيير، وليس مع الفلول أو الانقلابيين. وهذا موقف يحسب لها، لا يُدينها، وهو مدخل ضروري للتأسيس على المشتركات السياسية من أجل الخروج بالسودان من نفق الحرب.

وكلنا نعلم من أطلق الرصاصة الأولى، ومن خطط لحرب 15 أبريل المدمرة، ومن نفذها، ومن كان ينتظرها ليستعيد سلطته المنهارة. وليس من العدل أن نطلب من ضحايا هذا المخطط أن يتحملوا تبعاته وحدهم، أو أن يُمنعوا من أن يكون لهم رأي ووجود في مستقبل البلاد.

في هذا السياق المعقد، لا يجوز أن يُمنع أي فاعل مدني من الحوار مع أي طرف مؤثر على الأرض، فقط لأن التيار الإسلاموي يريد احتكار الوطنية. فتحالف “تأسيس” – بما فيه من عيوب – يظل أحد تعبيرات الواقع الجديد الذي لا يمكن تجاهله. وحزب الأمة، إذا انطلق من موقعه المدني المستقل، يمكنه أن يتفاعل مع هذا الواقع بما يحقق مصلحة جماهيره ويقرب البلاد من السلام والتحول المدني الديمقراطي.

إن ما يعيشه حزب الأمة اليوم من انقسام، لم يعد يُجدي إنكاره أو تغليفه ببيانات شكلية. فالحزب منقسم فعلًا، بين من يرى في المرحلة فرصة للتأسيس الجاد لدولة جديدة، ومن يريد العودة إلى أحضان دولة قديمة لفظها الشعب. والواجب ليس الصمت على هذا الانقسام، بل إدارة الخلاف بشجاعة ومسؤولية، عبر الحوار، لا التخوين.

خاتمة: ما بعد الحرب ليس كما قبلها.

لقد فتحت حرب 15 أبريل جراحًا عميقة في الجسد السوداني، ولكنها أيضًا كسرت جدران الوهم. ومن بين الأنقاض، يمكن أن يولد شيء جديد، إذا امتلكت القوى السياسية – وعلى رأسها حزب الأمة – الشجاعة الكافية للقطع مع الماضي، والتأسيس لمستقبل مختلف.

وحين نرفع شعار “التأسيس”، فإننا لا نعني الاصطفاف خلف البندقية، بل الاصطفاف خلف مشروع وطني شامل، يعيد تعريف الدولة، ويمنح أهل السودان – كل أهل السودان – فرصة متساوية في الكرامة، والمواطنة، والمشاركة في السلطة والثروة.

في هذا السياق، يصبح تحالف “تأسيس” فرصة وطنية لا يجوز تفويتها، وعلى حزب الأمة أن يكون في طليعتها، لا في مؤخرة التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!