
صالح السليمي
اعتمادا على البيان الصادر عن الآلية وما نشرته مصادر سودانية وإقليمية متعددة، فإن التقييم الأكثر توازناً لاجتماعات أديس أبابا يقود إلى استنتاج مفاده أن هذه اللقاءات تمثل تقدماً إجرائياً محدوداً أكثر من كونها اختراقاً سياسياً حاسماً.
فمن ناحية الأهمية، تأتي المبادرة في توقيت تشهد فيه الأزمة السودانية حالة انسداد سياسي وعسكري ممتدة، مع تراجع معظم المبادرات السابقة وعجز الأطراف المتحاربة عن تحقيق حسم ميداني نهائي. لذلك فإن مجرد نجاح الآلية الخماسية في جمع طيف واسع من القوى السياسية والمدنية السودانية حول فكرة إنشاء لجنة تحضيرية لحوار سوداني–سوداني يعد تطوراً مهماً، لأنه يعيد القضية إلى مسار البحث عن تسوية سياسية بدلاً من الرهان الحصري على الميدان العسكري. كما أن اجتماع الاتحاد الأفريقي وإيغاد والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ضمن منصة واحدة يقلل من ظاهرة تعدد المبادرات وتضاربها التي أضعفت الجهود السابقة.
أما من حيث الفاعلية، فإن النتائج تبدو أكثر تواضعاً. فالتقارير الواردة من أديس أبابا تشير إلى أن الآلية نجحت في إدارة مشاورات واسعة والحصول على أوراق ومقترحات مكتوبة من عدد من القوى السودانية، لكنها لم تنجح في إنتاج موقف موحد أو وثيقة تحظى بإجماع المشاركين. بل إن بعض القوى أبدت تحفظات أو رفضت بعض المخرجات، الأمر الذي يعكس استمرار حالة الاستقطاب السياسي العميق داخل الساحة السودانية.
وفيما يتعلق بالقدرة على الوصول إلى حل للأزمة، فإن حدود هذه القدرة واضحة. فالآلية الخماسية ليست طرفاً يمتلك أدوات تنفيذ أو إلزام، بل هي إطار للتيسير والوساطة. كما أن الحوار الجاري يركز أساساً على القوى السياسية والمدنية، بينما يبقى مفتاح إنهاء الحرب مرتبطاً في المقام الأول بمواقف الأطراف العسكرية وحساباتها الميدانية والسياسية. لذلك يمكن للآلية أن تهيئ البيئة السياسية وأن تبني أرضية تفاهم وطنية، لكنها لا تستطيع وحدها فرض تسوية شاملة أو ضمان تنفيذها.
وفي تقدير مستوى التفاؤل، فإن القراءة الواقعية تقتضي تجنب الإفراط في التوقعات. فهناك عناصر إيجابية تتمثل في وجود إرادة دولية وإقليمية موحدة نسبياً لدعم الحوار، والحديث عن عملية شاملة تضم النساء والشباب والمجتمع المدني ومختلف الأقاليم السودانية، إضافة إلى التأكيد المتكرر على وحدة السودان ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى تفكيك الدولة.
لكن في المقابل، لا تزال هناك عقبات كبيرة تتمثل في انقسام القوى السياسية، وتباين رؤاها بشأن أطراف العملية السياسية، وغياب توافق وطني حول أسس المرحلة الانتقالية المقبلة. كما أن استمرار الحرب يجعل أي حوار سياسي معرضاً للتأثر بالتطورات العسكرية على الأرض.
وعليه، يمكن القول إن اجتماعات أديس أبابا لا تمثل بداية الحل النهائي للأزمة السودانية، لكنها قد تشكل بداية لمسار سياسي أكثر تنظيماً إذا تمكنت الآلية الخماسية من توسيع دائرة المشاركة وبناء حد أدنى من التوافق بين القوى السودانية المختلفة. لذلك فإن مستوى التفاؤل المنطقي في هذه المرحلة هو تفاؤل حذر ومشروط؛ ففرص النجاح موجودة لكنها ما زالت مرتبطة بقدرة السودانيين أنفسهم على تجاوز الانقسامات السياسية أكثر من ارتباطها بقدرات الوسطاء الدوليين والإقليميين.




