رأي

هل يمثّل محمد الحسن التعايشي نموذجًا للمثقف العضوي؟

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

عند تأمل تجربة محمد الحسن التعايشي في ضوء نظرية المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول “المثقف العضوي”، يبدو أن ثمة تقاطعًا واضحًا بين ما ذهب إليه غرامشي من تصور لدور المثقف العضوي، وبين سيرة ومسار التعايشي الفكري والسياسي والاجتماعي.

يقول غرامشي إن “جميع الناس مفكرون”، لكن وظيفة المثقف لا يؤديها الجميع؛ فالمجتمعات تفرز أولئك الذين يمتلكون من الأدوات المعرفية والقدرات الفكرية ما يمكّنهم من التعبير عن قضاياها، والارتباط الوثيق بحياة الناس وهمومهم، وتقديم مساهمات حقيقية في مسارات التغيير الاجتماعي. المثقف العضوي، بهذا المعنى، ليس ذاك المنعزل في برجه العاجي، بل هو المنخرط في معارك مجتمعه، المتجذر في بيئته، والمشتبك في قضاياه اليومية الكبرى والصغرى.

ليس هناك تعريف واحد للمثقف، فالمفاهيم تختلف بحسب المرجعيات الفكرية والإيديولوجية. المفكر المغربي محمد عابد الجابري، مثلًا، يرى أن المثقف هو من “يعرف ويتكلم… يتكلم ليقول ما لا يُعرف”، في إشارة إلى وظيفة المثقف كصانع للمعنى وناقد للواقع وقائد في زمن صار “الحكم فيه فنًّا من القول”. أما عالم الاجتماع الأمريكي لويس كوزر، فيربط المثقفين بالاهتمام بالقيم المركزية التي تشكل بنية المجتمع وتماسكه. رغم هذا التباين، تبقى رؤية غرامشي للمثقف العضوي الأقرب إلى توصيف الدور الذي ظل يلعبه التعايشي لعقود في الساحة السودانية.

منذ بروز اسمه في أروقة جامعة الخرطوم، رسّخ التعايشي حضوره كمثقف من طراز خاص؛ صاحب مبادرة، منفتح على الناس، مشبع بقيم البداوة في البساطة والتواضع والكرم، ومرتبط انتمائيًا ووجدانيًا ببيئته ومجتمعه. لم يكن غريبًا بين الناس، ولا متعالٍ عليهم، بل ظل قادرا على مخاطبتهم بلغتهم، وفهم أوجاعهم، وتبني قضاياهم.

في ركن النقاش، كان التعايشي صاحب نَفَسٍ سردي جذاب، يوظف اللغة الشعبية ببراعة، يجيد الحكي، ويطوف بالحاضرين في عوالم من القصص الاجتماعية التي تُلهب الوجدان، وتستنهض القيم الأصيلة، وتفتح نوافذ للتفكير النقدي. يتمتع بذكاء اجتماعي لافت، وقدرة على بناء جسور مع مختلف الفئات، من العوام إلى النخب، ومن المثقفين إلى البسطاء، دون أن يفقد صدقيته أو أصالته.

ما أعرفه عن التعايشي، أنه مثقف عطِش للمساهمة في إصلاح ما اختلّ من بنية الدولة السودانية، ومهتم بتحقيق العدالة الاجتماعية، ومعالجة التشوّهات التاريخية التي رافقت تشكّل الدولة القومية الحديثة في السودان. هو أحد أولئك “الناس الطيبين” الذين تفتّحت وعيهم وسط الناس، وتعلّقوا بالأرض، وانغمسوا في قضايا الجماهير دون ادعاء أو وصاية.

لأكثر من ثلاثة عقود، ظل التعايشي حاضراً في قلب المعارك الفكرية والسياسية الكبرى، مدافعاً عن المهمّشين، منخرطاً في قضايا الإصلاح، متحدياً منظومات القهر، منحازاً باستمرار لحق الإنسان السوداني في الحرية والكرامة والعدالة. وقد دفع في سبيل ذلك من سنين عمره ما لا يُحصى.

إن اختياره رئيسًا لحكومة التأسيس ليس فقط استحقاقًا سياسيًا، بل هو اعتراف – من طيف واسع من السودانيين – برمزية المثقف القادر على الجمع بين النظرية والممارسة، بين المعرفة والعمل، بين القيم الأصيلة والمشروع الوطني الجامع. إنها لحظة انتقالية مهمة لرجلٍ ظل يستخدم أدواته المعرفية لخدمة مجتمعه، والآن تُفتح أمامه ساحة أرحب لتحويل تلك المعارف إلى قوة مادية فاعلة.

في موقعه الجديد، سيكون التعايشي مطالبًا بأداء وظيفة اجتماعية وفكرية كبرى: قيادة المرحلة بروح التأسيس، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة قوامها العدل والمواطنة والمساواة. إنها مهمة صعبة بلا شك، لكنها مهمة يُؤمَل أن يكون التعايشي جديرًا بها، بما عرف عنه من إخلاص ونزاهة ومعرفة وتجربة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!