ظاهرتي “النينيو او النينيا” وأثرهما على البيئة “2-2”

صهيل الخيل :
ظاهرتي “النينيو او النينيا” وأثرهما على البيئة “2-2”
بقلم: د. عبدالمجيد عبد الرحمن أبو ماجدة
“1”
تحدثنا في مقال سابق عن الاضرار البيئية الناتجة عن ظاهرتي “النينيو والنينيا” وتاثيراتهما المباشرة على قلة الامطار وهطولها وارتفاع لدراجات حرارة المحيطات والتي بدورها تؤثر تأثيراً مباشراً في الغلاف الجوي إضافة للاستخدامات السيئة للطاقة في اوربا وامريكا و التي هي الاخرى تسبب كذلك في الاحترار وإرتفاع درجات الحرارة .
قبل أيام مضت فقد حذر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني من أن ظاهرة “النينيو” التي تتشكل فوق المحيط الهادئ قد تكون “الأقوى في الذاكرة الحديثة”
إنّ هذه الظاهرة المناخية الطبيعية الشديدة تؤدي إلى رفع درجات حرارة الجو عالمياً كما يمكن أن تزيد من خطر الظواهر الجوية المتطرفة وعلاوة على تأثيرات تغيّر المناخ الناتجة عن نشاط المتزايد للبشر حول العالم .
كما حذر مكتب الأرصاد الجوية البيرطاني من أن ذلك يعني “بدرجة احتمال عالية جداً” بأنّ عام 2027م سيكون أشد الأعوام حرارة على الإطلاق على مستوى العالم وتتزايد الأدلة على أن أنماط الطقس في مختلف أنحاء العالم تتأثر بالفعل .
إذ تشهد دولة الهند أمطاراً موسمية دون المتوسط في حين يتراجع نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي”١”
إنّ ظاهرة “التغيرات المناخية” الحالية قد تؤدي الي ارتفاعات قياسية ومثيرة للقلق في حرارة المحيطات تسبق ظاهرة “النينو” الامر الذي تجعل ظاهرة النينيو “بيرطانيا”على سبيل المثال أكثر عرضة لخريف غزير الأمطار وعاصف مع ظهور مؤشرات على فترة شديدة الاضطراب بالفعل في التنبؤات بعيدة المدى .
من جانبه يقول آدم سكيف “رئيس قسم التنبؤات” بعيدة المدى في مكتب الأرصاد الجوية البريطاني : “ينبغي أن نكون واضحين في أن هذا حدث غير مسبوق ولم يسبق لي أن رأيت إشارة إلى ظاهرة “النينيو” بهذه القوة في توقعاتنا “٢” .
حتى الآن لا توجد أدلة وآضحة على أن تغيّر المناخ يجعل حدوث ظواهر “النينيو” أكثر احتمالاً غير أنّ تأثيراتها الجوية يُرجَّح أن تكون أكثر تطرفاً في عالم آخذ في الاحترار !!!.
“2”
إنّ ظاهرتي “النينيو او النينيا” تعتبران نمطان من أنماط الطقس الطبيعية وتحدث تقريباً مرة كل عامين إلى سبعة أعوام وتستمر لنحو عام كامل .
كما يمكن للرياح التي تهب عادة من الشرق إلى الغرب عبر المحيط الهادئ بأن تضعف أو حتى تعكس اتجاهها مما يسمح للمياه الدافئة بالانتشار نحو الشرق .
كما إنّ درجة الحرارة تتحرر من المحيط إلى الغلاف الجوي فترفع درجات الحرارة العالمية وتُحدث تحولات في أنماط هطول الأمطار .
إنّ العلماء يعلنون بقولهم بأنّ حدوث ظاهرة “النينيو” عندما تكون درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية من المحيط الهادئ أعلى بمقدار “0.5” درجة مئوية أو أكثر من متوسطها طويل الأمد .
إنّ القياسات الحالية تُظهر أنها تتجاوز المعدل الطبيعي بكثير إذ تزيد بأكثر من درجتين مئويتين .
كما تشير أحدث التنبؤات الصادرة عن مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إلى أنّ هذا الاحترار قد يتجاوز “3” درجات مئوية في وقت لاحق خلال العام الحالي مع اقتراب ظاهرة “النينيو” من ذروتها “٣” .
إنّ موجات الحر الشديدة في أوروبا تواصل حصد بعض الارواح فما حجم الخسائر البشرية التي تتوقع ان تكون في هذا الصيف ؟ ويقول مكتب الأرصاد الجوية البيرطاني إنّ هذا الامر سيكون أمراً غير مسبوق في السجلات التي تمتد إلى عام 1950م وإنّ هذه الظاهرة ستكون من المرجح أقوى حدث منذ القرن التاسع عشر .
كما تسهم درجات الحرارة المرتفعة للغاية في أعماق المحيط الهاديء والتي تبلغ في بعض المناطق نحو “8” درجات مئوية فوق المعدل الطبيعي على عمق “100” متر في تعزيز ظاهرة “النينيو” بصورة استثنائية إذ توفر في جوهرها مستودعاً من المياه الدافئة يعمل كوقود لتغذية الظاهرة “٤” .
من جانب آخر يقول “زيك هاوسفاذر” وهو من علماء المناخ في “بيركلي إيرث” وهي مؤسسة بحثية أمريكية يقول : “لا تزال أمامنا عدة أشهر بينما تواصل هذه الظاهرة تطورها وهذا أحد الأسباب التي زادت من ثقتنا بأنّ هذا سيكون حدثاً يسجل رقماً قياسياً”
كما توقعت بعض المجموعات المناخية الأخرى حدوث ظاهرة أقوى حتى من تلك التي يتوقعها مكتب الأرصاد الجوية وربما تصل إلى “4” درجات مئوية فوق المتوسط .
ويضيف هاوسفاذر : “إذا حدث ذلك فليس من المستبعد أن نقول إنّ هذه قد تكون أشد ظاهرة “نينيو” خلال “500” عام أو حتى ألف عام” “٤” .
تقول المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إنه “لا يوجد دليل” على أن تغيّر المناخ يزيد من تكرار حدوث ظواهر “النينيو” أو شدتها بيد أنّ هذا الموضوع لا يزال يخضع للبحث والنقاش المستمر بين العلماء .
إنّ آخر تقرير صادر عام 2021م خلص عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وهي مجموعة دولية من العلماء إلى أن شدة ظاهرة “النينيو” تبدو قد ازدادت منذ عام 1950م مقارنة بالفترة الممتدة إلى نحو عام 1400م .
إنّ السجلات التاريخية تُظهر أن قوة ظاهرة “النينيو” قد شهدت تقلبات كبيرة على مدى آلاف السنين الماضية ولذلك يصعب الربط بين هذه الشدة الحديثة والاحترار العالمي .
فمن الواضح أنّ ظاهرة “النينيو” تحدث الآن في سياق عالم أكثر احتراراً الأمر الذي يجعل تأثيراتها في الطقس أكثر تطرفاً .
إنّ تأثيرات الطقس حول العالم في سماء ملبدة بالغيوم الداكنة يمكن أن يؤدي الي تغيّر توزيع درجات الحرارة عبر المحيط والتغيرات في أنماط الرياح في الغلاف الجوي فوق تلك المحيطات وهذا بدوره يؤدي إلى تأثيرات واسعة النطاق على الطقس في مختلف أنحاء العالم .
إنٌ في السنوات التي تحدث فيها ظاهرة “النينيو” يمكن أن تسهم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية في سقوط أمطار أقل في جنوب آسيا وحتى الآن في عام 2026م وتصبح معدلات هطول الأمطار أقل بكثير عن المعتاد .
أما في المناطق القريبة من المحيط الهادئ الاستوائي يمكن أن يكون تأثير “النينيو” كبيراً جداً مع زيادة خطر حدوث الجفاف وحرائق الغابات في المناطق الشمالية من أمريكا الجنوبية وأستراليا .
كما يمكن أن تزيد من احتمال حدوث الفيضانات في دول أخرى مثل “بيرو والإكوادور وجنوب الولايات المتحدة” .
إنّ في ظواهر “النينيو” السابقة أثرت الاضطرابات في الطقس على إنتاج محاصيل زراعية مثل “البن والأرز والكاكاو” في العديد من الدول في شتى أرجاء العالم”٥” .
إنّ هذا الامر ادى الي زيادة حادة في أسعار الغذاء وخسائر في الناتج المحلي و الإجمالي العالمي بلغت مئات المليارات من الدولارات مع امتداد آثار ضرر المحاصيل الزراعية واضطرابات التجارة عبر سلاسل الإمداد والاقتصادات .
إنّ ظاهرة “النينيو” تغذي الظواهر الجوية المتطرفة في العديد من مناطق العالم فإنها قد تُحدث تأثيراً معاكساً في مناطق أخرى .
كما يمكن للتغيرات في أنماط الرياح في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي الاستوائي أن تحدّ من نشاط الأعاصير وحتى الآن خلال هذا الموسم لم تظهر سوى ثلاث عواصف .
وتكون تأثيرات ظاهرة “النينيو” في طقس المملكة المتحدة وعلى سبيل المثال أقل بكثير مما هو عليه في المناطق الاستوائية ولا يُعتقد أنها كان لها تأثير يُذكر على موجات الحر القياسية التي هيمنت على طقس هذا الصيف في بيرطانيا .
بيد أنها قد يكون لها تأثير أكبر في أحوال الطقس خلال الخريف وبداية الشتاء مع ارتفاع احتمالات سيادة ظروف رطبة وعاصفة في أنحاء شمال غرب أوروبا بما في ذلك المملكة المتحدة “٦” .
إنّ هذا الامر يبدو مخالفاً “للحدس” فيمكن لظاهرة “النينيو” أيضاً أن تزيد من احتمالات الطقس البارد في أواخر الشتاء وإن كانت الروابط في هذا الشأن ضعيفة إلى حد ما .
كما انه من المرجح جداً أن يكون عام 2027م “الأشد حرارة” .
إنّ من المرجح بانْ تتحرر كميات كبيرة من الحرارة من المحيط إلى الغلاف الجوي أثناء ظواهر “النينيو” على نحو يتيح ارتفاعاً مؤقتاً في درجات الحرارة .
من جهة اخرى يقول “نيك دنستون” عالم المناخ في مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إنّ هذا التأثير يكون واضحاً بصورة خاصة في السنة الميلادية التي تلي ذروة ظاهرة “النينيو” في فصل الشتاء ويضيف: “بناء على ذلك فمن المرجح جداً أن يحل عام 2027م محل عام 2024م بوصفه العام الأكثر ارتفاعا لدرجات الحرارة” “٧” .
*المصادر والمراجع*
1- مكتب الارصاد الجوية البيرطاني
2- المنظمة العالمية للارصاد الجوية “M.W.O” تقرير شهري يوليو 2026م .
3- نيك ديستون ، عالم بيرطاني متخصص في الارصاد الجوية والمناخ .
4- الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ ، تقرير 2021م .
5- زيك هاوسفاذر ، وهو من علماء المناخ في “بيركلي إيرث” وهي مؤسسة بحثية امريكية .
6- آدم سكيف ، رئيس قسم التنبؤات بعيدة المدى في مكتب الأرصاد الجوية البريطاني .
7- هيئة الاذاعة البيرطانية ، البي بي سي ، تقرير عن ظاهرة “النينيو” .




