
رجل المواقف الصعبة ورفيق دروب النضال المُره، تظل شهادتي في الأخ محمد حسن عثمان مجروحة إلى حدٍ كبير، فقد جمعتني به سنواتٌ من الكفاح والعمل العام، ليس عبوراً للمحطات بل كتب مُؤجلة، فمنذ أن التقينا في صفوف تنظيم الطلاب الأنصار وحزب الأمة أواخر التسعينيات وبداية الألفية كان هو ذات الشخص المدهش حيث لم يتغير شيئاً في شخصيته المرحة، ذات عامٍ ذهبت إلى داخلية الوسط بجامعة الخرطوم (البركس).. مزنوقًا في موسم امتحانات الجامعة وجدت تعايشي على حالة في غرفة تضم فاروق كمبرسي وناصر وآخرين، في تلك الشهور القليلة عشنا سوياً تحت سقفٍ واحدة من أقسى تجارب الحياة الطلابية واحلاها، كنّا آنذاك نقتسم الهمّ العام ولُقمة الفاصولية، ونتدافع بالوعي والحلام، وقبلها بكثير كنا سوياً في منابر حزب الامة والتجمع الوطني الديمقراطي، وكان التعايشي رجلاً مصادماً لا يعرف المساومة على المبادئ، ومازال يحضرني مقف اعتقاله البائس وبعض الأحباب امام اعيننا في جامعة أم درمان الإسلامية مجمع العرضة على خلفية مخاطبة سياسية نظّمتها طالبات حزب الامة، اذكر من بين المعتقلين عبده حماد ومحمد دينق، ويومها نحن لم نعد نحسن التصرف جيداً، لكن التعايشي كان ثابتاً كالجبل لا يتزحزح، وقد مثل لنا في تلك اللحظة رمزاً بليغاً للصمود والجسارة.
ما زالت تسكنني تلك الايام الخوالد التي أسهم فيها التعايشي معنا في تحرير اتحاد طلاب جامعة النيلين عام 2001، وكان ضمن اللجنة المركزية التي تخطط لانتزاع اول نقابة طلابية من فك النظام الإسلاموي المتوحش، النظام الذي كان يسيطر على كل النقابات والاجواء في الجامعات السودانية، وقد تزامنت تلك الايام مع مفاصلة الاسلاميين إلى شعبي ووطني، وقاد ذلك الى نجاح تحالف القوى الوطنية من استرداد المنبر النقابي في جامعة النيلين لصالح القوى السياسية المعارضة.
ان ما يميز شخصية الحبيب (تعايشي).. الذي عركته النضالات وشكّلته التجربة، بالاضافة إلى فراسته الفطرية وحنكته السياسية انه رجلٌ طيب وخلوق، يميل إلى التواضع والعيش بين المجتمعات البسيطة، فهو ليس مجرد سياسي مفوّه بل إنسان اجتماعي شديد الوفاء وسهل المعشر، لا يعرف الفصل التام بين مواقفه السياسية وطباعه الاجتماعية، وهو رجل كريم كبقية ابناء الأقاليم المهمشة من الذين خاضوا تجارب (مركزية).. مليئة بالتضحيات والثبات، وصنع لنفسه مجداً سياسياً دون أن يتنازل عن مبدئه حتى وصل إلى ما يرنو اليه من عطاء.
لم تكن الهجرة الي بريطانيا أبداً ضمن خياراته التعايشي الذي اعرف حبه للسودان، ولا اظنة انه قد خطط اليها في يوما من الايام، بل هي من المصادفات وظروف المرحلة والقهر السياسي الذي فرضه جبروت الانقاذ على كل من يحمل لواء التغيير وبناء الدولة الجديدة، وبالتالي فإن مسيرة التعايشي النضالية أعمق بكثير من أن تسمح له بالابتعاد عن وطن أفنى فيه زهرات شبابه من اجل بناء دولة الحرية والعدالة، وهي كانت محطاته مليئة بالتحديات والصبر والتفاني.
ان وصول التعايشي إلى مجلس السيادة الانتقالي كممثلٍ للثورة السودانية لم يكن مجرّد مصادفة أو محض اختيار (فوقي).. بل هو استحقاق طبيعي لرجل أوفت له الجماهير بما يليق بتضحياته المعلومة ومواقفة المعلومة جيدًا. أما وجودة اليوم في قيادة حكومة السلام التي شكلها تحالف السودان التاسيسي رئيسًا للوزراء، يعد امراً عادياً وجزءاً من استحقاقات الرجل وتاريخية اللائق والمشرف، وهي ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة من التحديات والنجاحات المتوجة بالمخاطر، ومهمة شاقة في ظرف وطني دقيق يمر بمنعطفات سياسية جارفة، تتطلب قائدًا مرحلياً يتميز بالثباتٌ في الموقف ونزاهة في اليد وعفه في اللسان، واتزانٌ في الرؤية.
إن قيادة حكومة السلام التي تحملها التعايشي ليست مكافأة سياسية كما يظن البعض، بل مسؤولية ثقيلة تحتاج من الرجل (استدعاء).. كل ما في ذاكرته من تجارب، وكل ما في قلبه من إخلاص للوطن المثقل بنزيف الحرب، وكل ما في عقله من وضوح وجرأة، محمد حسن التعايشي الذي نعرفه سيواجه اللحظة الصعبة ولا يهرب منها، بل يغرس ارجلة في الأرض المتعبة بدماء الشهداء مهما اشتد العصف وتبعثر الرفاق، ويجب ان يتذكر الناس انه ابن الثورة السودانية وأحد صنّاعها، فمن الطبيعي أن يحمل على عاتقه راية السلام والوحدة، والتأسيس لحكم مدني راشد يُخرج البلاد من قبضة الفشل السياسي المتراكم إلى رحابة الأمل المشترك، وبناء دولة جديدة سودانية تقوم على أُسس العدالة والمساواة. ولعل في صعود الاخ التعايشي إلى هذا الموقع (الرفيع).. يعد رسالة عميقة مفادها أن أبناء الهامش العريض قادمون بقوة، وان أبناء الحركة الطلابية وأبناء المعاناة الطويلة لم يعودوا على هامش القرار بل في صلب المعادلة، وممن يضعون النصاب ويشكلون المستقبل.




