رأي

السودان بين خيارين- التأسيس أو الإخوان المسلمين .. تعريف الصراع: بين مشروع التأسيس والهوس الديني

خالد كودي - بوسطن

خالد كودي – بوسطن

مع اكتمال الاستعدادات وإعلان حكومة التأسيس وبدئها مباشرة في ممارسة مهامها، يقف السودان والسودانيون أمام مفترق طرق مصيري لا يحتمل المساومة: فإما الاصطفاف مع الثورة والانخراط في مشروع تأسيس وطن جديد قائم على المساواة والعدالة والحرية، وإما تسليم البلاد مجددًا إلى تنظيم الإخوان المسلمين وحلفائهم، بما يعنيه ذلك من إعادة إنتاج الخراب الذي دمّر السودان وأوصله إلى هذا الانهيار الشامل.

إن استمرار بعض النخب المشوشة في وهم اختزال الصراع السوداني الراهن في كونه مواجهة بين مؤسستين عسكريتين أو صراعًا على السلطة بين نخب متفرقة هو قراءة سطحية. جوهر الصراع أعمق بكثير؛ إنه صراع بنيوي–تاريخي بين مشروعين متناقضين تأخر حسمه سبعين عاما.

١/ مشروع التأسيس: تأسيس سودان جديد قائم على العلمانية، الديمقراطية، اللامركزية، والعدالة التاريخية، مشروع كان ينبغي أن يرى النور منذ الاستقلال لكنه تعطل بسبب تحالفات النخب وحراس الامتيازات القديمة. هذا المشروع هو وحده القادر على بناء دولة مواطنة حديثة تساوي بين جميع السودانيين بلا تمييز.

٢/ مشروع الهوس الديني: الذي مثّله تنظيم الإخوان المسلمين والتنظيمات المتماهية معه. هذا التنظيم هو المسؤول الأول عن الانهيار الوطني الشامل؛ تنظيم حربائي–فاشي يتلوّن ويتبدل في خطابه وأدواته، لكنه ثابت الجوهر: دولة ثيوقراطية تستمد شرعيتها من مفهوم “الحاكمية” وتوظف الدين كأداة للهيمنة والقمع.

في هذا السياق، تبرز أيضًا ظاهرة النخب الخائفة من التغيير، تلك التي تتشبث بمصالحها ومناطق ارتياحها التاريخية، سواء كانت حزبية أو مدنية أو اقتصادية. هذه الخيارات المحافظة لم تعد قابلة للحياة؛ إنها خيارات غير مستدامة أمام واقع التحولات الكبرى.

لقد دخل السودان زمن القرارات الجذرية. لم يعد ممكنًا الركون إلى أنصاف الحلول أو انتظار “تسويات” تُعيد إنتاج الأزمة. إنها لحظة القطيعة التاريخية التي تتطلب شجاعة تأسيسية كبرى، لأن بقاء السودان نفسه كدولة يتوقف على الانتصار لمشروع التأسيس ضد مشروع الهوس الديني.

تنظيم الإخوان المسلمين: فاشية متجددة تحت غطاء الدين

منذ نشأته، بُني تنظيم الإخوان المسلمين على فكرة السيطرة الشاملة على المجتمع والدولة عبر الدين، مرتكزًا إلى مفهوم “الحاكمية لله” كما صاغه سيد قطب وأبو الأعلى المودودي. هذا المفهوم لا يرى السياسة مجالًا للتنافس والاختلاف، بل يحوّلها إلى صراع وجودي ديني يُقصى فيه الخصوم بتهمة الكفر أو الردة. في السودان كما في مصر، استُخدم هذا الخطاب لإخضاع المجال العام، وتجريم المعارضة، وإلغاء كل إمكانية للتعدد الديمقراطي.

إن قدرة التنظيم على التلون بين الدعوة والعمل النقابي، وبين “الخطاب الإصلاحي” و”الجهاد المسلح”، وبين صناديق الانتخابات والانقلابات العسكرية، تكشف طبيعته الحربائية – الفاشية. فهو لا يرى في الدولة سوى أداة لإخضاع المجتمع لسلطة “الإمام”، ولا يعترف بالديمقراطية والتعدد إلا بوصفها وسائل تكتيكية مؤقتة حتى يضمن الهيمنة الكاملة.

التجارب الدولية برهنت على خطورة هذا المشروع:

١/ في الجزائر التسعينيات، أدى صعود الإسلاميين إلى حرب أهلية دامية

٢/ في مصر بعد 2012، سرعان ما تحوّل حكم الإخوان إلى مشروع إقصائي شمولي

٣/ أما في السودان، فإن انقلاب 1989 لم يكن سوى بوابة لإطلاق مشروع كارثي: إبادة جماعية في دارفور وجبال النوبة والجنوب، اقتصاد منهار، ومجتمع ممزق.

استغلال الدين والحاكمية كسلاح للهيمنة:

فكرة “الحاكمية” في جوهرها ليست عقيدة دينية بقدر ما هي أداة سياسية للسيطرة. فهي تسحب من الناس حقهم في التشريع وتقرير المصير، وتضعه بيد نخبة ضيقة تحتكر الحقيقة باسم الله. هذا الاستغلال وفّر للإخوان المسلمين أداة خطيرة لإثارة النعرات الدينية والإثنية، ولتزييف وعي المجتمع.

النخب السودانية، سواء في السلطة أو المعارضة، انجرفت خلف هذا الخطاب باسم “الشريعة” أو “الهوية العربية الإسلامية”، وساهمت في ترسيخ المركزية التاريخية التي همّشت شعوب السودان غير العربية وغير المسلمة، وحرمتها من العدالة والمساواة.

النخب المضللة وخيانة الوعي:

المأساة السودانية لا تختصر في فاشية الإخوان المسلمين وحدها، بل تشمل أيضًا النخب المدنية والسياسية التي رهنت مستقبل البلاد على أوهام الإصلاح من داخل البنية المأسورة. كثير من هذه النخب ارتبطت بالجيش المسيطر عليه ماديًا وأيديولوجيًا من الإخوان المسلمين، وراهنوا على أنه قد يتغير تدريجيًا، او انه يمكنهم الانتصار عليهم بأدوات المقاومة المدنية. هذا الرهان كان سهلًا من الناحية النفسية – لأنه لا يتطلب اجتهادًا ولا مواجهة حقيقية – ومريحًا من الناحية السياسية، لأنه يحافظ على مصالحهم وامتيازاتهم.

التفسير السيكولوجي والتاريخي لهذا الموقف يكشف أنه رهان الخوف والكسل العقلي: خوف من المجهول إذا تم هدم الدولة القديمة، وكسل عن خوض مغامرة تأسيسية حقيقية. بعضهم انجذب لأسباب دينية أو جهوية أو إثنية، والبعض الآخر تمسّك بمناطق ارتياحه الطبقي والسياسي. النتيجة: إعادة إنتاج الأزمة بدل مواجهتها، عاما بعد عام، وانتفاضة بعد الأخرى!

هذه الظاهرة ليست سودانية فقط؛ ففي أوروبا الثلاثينيات تحالفت النخب الليبرالية والبرجوازية مع الفاشيين خوفًا على مصالحها، وفي باكستان وأفغانستان تم استخدام الدين كأداة للسلطة، ليكتشف الجميع لاحقًا أنهم أطلقوا وحشًا أكبر من قدرتهم على السيطرة، وفي السودان الان نعيش بعضا من هذا التماهي والتواطؤ الركون!

طبيعة العدو تحدد طبيعة المقاومة:

إن تنظيم الإخوان المسلمين ليس مجرد حزب سياسي تقليدي، بل عدو غاشم، فاشي–ثيوقراطي. وبالتالي، فإن التعامل معه بوصفه خصمًا عاديًا يمكن احتواؤه بالحوار أو الإصلاح هو خطأ قاتل نتيجته واقع السودان اليوم. هذا صراع وجودي، ليس بين برامج سياسية، بل بين مشروع تأسيس سودان جديد قائم على العلمانية والديمقراطية والمواطنة المتساوية، وبين مشروع الهوس الديني الاسلامي القائم على الحاكمية والإقصاء والعنف.

وطبيعة هذا العدو تحدد شكل المقاومة:

– سياسيًا: عبر مشروع تأسيسي واضح، يستند إلى المبادئ فوق الدستورية (العلمانية، المواطنة، اللامركزية، العدالة التاريخية.)

عسكريًا: عبر تفكيك الأدوات التي استخدمها الإخوان للهيمنة – الجيش المسيطر عليه، الأجهزة الأمنية، المليشيات – وبناء مؤسسات أمنية وطنية جديدة على أساس الولاء للشعب لا للعقيدة أو الحزب.

السودان الجديد: البديل التاريخي:

لم يعد السودان يمتلك ترف المراوغة أو البقاء في المنطقة الرمادية. إن حكومة التأسيس قد تكوّنت بالفعل، وأصدرت ميثاقها ودستورها الذي يضع أسسًا واضحة لانتقال البلاد من دولة مركزية مأزومة إلى دولة حديثة تقوم على المواطنة والعدالة. في المقابل، ما تزال كثير من القوى المدنية التقليدية تتهرب من هذا الخيار التاريخي، متمسكة بأوهام التغيير الجزئي والإصلاح من داخل الدولة القديمة التي وُلدت منذ الاستقلال مسكونة بالهوس الديني والعنصرية.

إن السودان الجديد ليس شعارًا نظريًا، بل هو البديل التاريخي الوحيد لبقاء الدولة السودانية، ويتأسس على مبادئ واضحة

١/ العلمانية: فصل الدين عن الدولة، وضمان حرية المعتقد كشرط لبناء عقد اجتماعي جامع

٢/ المواطنة المتساوية: إنهاء التراتبية الاثنية – الدينية والجهوية التي شكّلت أساس الدولة القديمة، وبناء دولة تعترف بجميع مواطنيها بلا تمييز.

٣/ العدالة التاريخية: الاعتراف بضحايا الحروب والإبادات، وضمان حقوق الأقاليم المهمشة، بوصفها حجر الزاوية لأي مصالحة حقيقية.

٤/ بناء جيش وطني جديد: على أسس جديدة تضمن مدنية الدولة، وتعددها، وولاء القوات المسلحة للشعب لا للأيديولوجيا أو الحزب.

أخيرا:

الصراع في السودان ليس تنازعًا عابرًا على السلطة أو موقعًا في هرم الحكم، بل هو مفترق تاريخي بين مشروعين متناقضين جذريًا:

– مشروع التأسيس: الذي يفتح أفق بناء دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، تستند إلى العدالة التاريخية والمواطنة المتساوية.

– مشروع الهوس الديني: الذي يجسّد فاشية الإخوان المسلمين ويعيد إنتاج القمع والإقصاء والحروب.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن مثل هذه الحركات لا تسقط بالخطابات أو المساومات، بل عبر تفوق مزدوج: سياسي–فكري يفضح مشروعها، وعسكري – ميداني يفكك أدواتها..

أما القوى المدنية التي ما زالت تدّعي أن مواجهة الإخوان المسلمين وجيشهم وميليشياتهم يمكن أن تتم بوسائل النضال المدني وحدها (مظاهرات، اعتصامات، إضرابات) فإنها تتجاهل طبيعة العدو، وتغفل أن هذا الصراع ليس مجرد معركة سياسية، بل هو معركة وجودية–تأسيسية.

إن الوعي بأن طبيعة العدو تحدد طبيعة المقاومة هو الخطوة الأولى لإعادة تعريف الصراع في السودان على حقيقته: معركة تأسيس لا مفر منها، تهدف إلى بناء وطن جديد يسع الجميع، دولة تستمد شرعيتها من العدالة والمواطنة، لا من العنف أو الامتيازات التاريخية.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!