رأي

ما هو النصر المزعوم..؟ حين يصبح السؤال جريمة في السودان المحترق

عبدالله محمد ادم - كمبالا

عبدالله محمد ادم – كمبالا

تذكرت ذلك السؤال الذي وجهه كولين باول، وزير خارجية أمريكا الأسبق، للرئيس جورج بوش الابن في خضم حرب العراق المدمرة حين قال Mr President, what does victory look like to you )) سيدي الرئيس: كيف يبدو النصر بالنسبة لك؟. سؤاله بدا بسيطاً، لكنه كان كاشفاً للعورة، فقد كان بوش يهتف بـالنصر في كل مناسبة، يعد شعبه والجنود بتحقيقه، بينما كانت العراق تتحول إلى جحيم من الفوضى والدماء، وجنود أمريكا أنفسهم يتساقطون في مستنقع لم يفهموا حدوده اما كولن باول، وهو أحد مهندسي الغزو، فقد أدرك فجأة أن السفينة تبحر بلا بوصلة، وأن النصر الذي يتحدث عنه القائد الأعلى مجرد كلمة طنانة فارغة، لا خريطة طريق لها ولا تعريف محدد.

و اليوم، وفي ساحات سوداننا المنكوب، يتكرر المشهد بنفس الكلمات الفارغة، ونفس المأساة المتعمقة ، فقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، ووزراؤهم ومستشاروهم، لا يملون من ترديد نفس العبارات الجوفاء: سنواصل القتال حتى تحقيق النصر و صرخاتهم تتردد بين خراب الخرطوم ورماد دارفور، بين جثث الأبرياء و الشباب المغرر بهم في مليط، و الكومة و الدبيبات و ابوزبد و ام صميمة و ام سيالة ونازحي الداخل ، بين دمار المستشفيات وانهيار كيان الدولة، و السؤال الذي طرحه كولن باول ذات يوم، والذي كان فضحاً لغرور بوش وعمى بصيرته، يجب أن يُوجهه اليوم كل سوداني بقوة وحسم لكل هؤلاء القادة في السودان:

ما هو تصوركم أنتم للنصر؟ هذا السؤال ليس فضولاً أكاديمياً، بل هو اتهامٌ صارخ، ومساءلةٌ تاريخية:

نصر على من؟ هل هو نصر الجيش على الدعم السريع؟ أم نصر الدعم السريع على الجيش؟ أم هو نصر مشترك لكليهما على الشعب السوداني الذي يسحقونه تحت دباباتهما ويجوعونه بحصارهما؟ أي نصر هذا الذي يُبنى على أنقاض السودان، وتهجير الملايين، وتفكيك أوصال الوطن الذي كان موحداً تحت سيطرتكم المشتركة يوم كنتم شركاء في السلطة والثروة؟ أليس هذا هو عين الهزيمة الوطنية؟

نصر لأجل ماذا؟ هل هو نصر لاستعادة دولة القانون و المؤسسات؟ أم هو نصر لترسيخ سلطة الميليشيات والفساد؟ هل هو نصر لاستعادة كرامة المواطن وأمنه؟ أم هو نصر لتثبيت سيطرة أضيق على مواردٍ استنزفتموها؟ أي نصرٍ هذا الذي لا يُرى أثره إلا في المزيد من المذابح و المجاعات وانهيار كل مظاهر الحياة؟

نصر متى وكيف؟ و متى تعلنون تحقيقه؟ هل حين يسقط آخر معقل للخصم؟ ام حين تُباد آخر مقاومة شعبية؟ ام حين يهرب آخر طبيب؟ هل هو نصر حين يصبح السودان أرضاً بوراً لا حياة فيها إلا للبارود؟ و أي معايير هذه التي تقيسون بها النصر غير ركام المباني وجثث الأطفال و امهاتهم؟

لقد كان البرهان وحميدتي ورفاقهما في السلاح يداً واحدة حين قهروا آمال الثورة السودانية العظيمة، كانوا متحدين في نهب ثروات البلاد، وفي قمع أحلام شعبها،ثم اختلفوا فقط عندما تصادمت مصالحهم الذاتية الضيقة، فحولوا السودان إلى ساحة حربهم الشخصية، ضاربين عرض الحائط بأي مفهوم للوطن أو المسؤولية أو الإنسانية و النصر الذي يتوعدون به اليوم هو وهم خطير، بل هو جريمة مستمرة،إنه شعار يُستخدم لتبرير الاستمرار في سفك الدماء وتدمير البقية الباقية من نسيج الوطن

إنه غطاءٌ للفرار من المساءلة ومن طاولة التفاوض الجاد، إنه إعلانٌ صريح بأن انتصارهم الشخصي – أياً كان معناه المشوه في أذهانهم – أهم من وجود السودان نفسه.

يا قادة الحرب في السودان، أمام الشعب الذي مزقتموه، أمام التاريخ الذي سيسجل عاركم، أمام ضمائركم – إن بقيت منها بقية – عليكم الإجابة علي سؤال كل ضحاياكم:

– ما هو تعريفكم العملي الملموس لـ النصر؟

– كيف يختلف نصركم هذا عن الدمار الشامل الذي نعيشه اليوم؟

* وأي نصرٍ هذا الذي يُراد تحقيقه على جثث شعبكم وخراب وطنكم؟

السؤال الذي طرحه كولين باول كشف هشاشة مشروع بوش، والسؤال نفسه اليوم، في سياق السودان، هو أكثر من كشف للهشاشة؛ بل هو إدانة لجرائم الحرب، وفضح لخيانة الأمانة، وتذكيرٌ مرير بأن من يحرقون بيتهم لا يحق لهم الحديث عن النصر، بل عليهم أن يُسألوا عن جريمتهم و السودانيون، شهداء ونازحون وجوعى، ينتظرون إجابة لن تأتي، لأن الإجابة الحقيقية الوحيدة هي وقف النار فوراً، وتسليم السلطة للشعب، والخضوع للعدالة. كل ما عدا ذلك هو هذيان نصر لا يعيشه إلا القتلة وسط الدمار الذي صنعته أياديهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!