
د. فاطمة الزين الغالي- كليفورنيا
حين تعيد مدينة الأبيض الغراء التلاقي مع تاريخها الثوري، فإنها لا تفعل ذلك صدفة، بل عبر دورة تاريخية تتكرّر حين تتشابه الشروط وتتشابه الإرادات. لقد كانت الأبيض في العام 1882 واحدة من أهم معاقل الحكم التركي المصري في السودان، ومركزًا إداريًا وعسكريًا واقتصاديًا بالغ الأهمية. لذا، حين قرر الإمام المهدي آنذاك أن يضع المدينة تحت حصار شامل تمهيدًا لتحريرها، لم يكن ذلك قرارًا عرضيًا بل جزءًا من رؤية إستراتيجية تستهدف قطع أوصال الدولة الاستعمارية وتقويض بنيتها من الأطراف إلى المركز.
اعتمدت قوات المهدية في حصارها للأبيض على تطويق المدينة من جميع الجهات، وعزلها عن خطوط الإمداد والتموين والدعم اللوجستي. حيث دام الحصار لأشهر حتى أرهق حاميتها، وقوّض معنوياتها، وانتهى الأمر في خاتمة المطاف إلى استسلامها في يناير 1883، فيما عُدّ آنذاك أول انتصار عسكري كبير للثورة المهدية، ومقدمة لانهيار النظام التركي المصري برمّته.
وبعد نحو قرن ونصف، نجد أن المدينة ذاتها تعيش من جديد مشهداً قريباً في تكتيكه ومغزاه، بعيداً في فاعليه قواه. فها هي قوات الجيش الوطني الفدرالي (NFA) – الوريثة الجديدة لقوى الثورة المسلحة – تفرض طوقاً محكماً على مدينة الأبيض، ضمن استراتيجية محكمة لاستعادة السيطرة على المركز القومي، وإسقاط ما تبقى من نفوذ الدولة العميقة التي باتت ترتكز على فلول النظام القديم ومليشياته.
تمضي قوات الجيش الوطني الفيدرالي اليوم على ذات النهج الذي رسمه الإمام المهدي في ثورته الأولى، مع فارق المعطيات والسياقات. فمن الغرب، أحكمت قوات (NFA) السيطرة على مدن النهود، والخوي، وأم صميمة، وأبو قعود، مما شلّ تماماً حركة الإمداد اللوجستي. أما من الشمال والشمال الشرقي، فقد أُحكمت السيطرة على طريق الصادرات، شريان النقل التجاري والعسكري الرابط بين الأبيض وأم درمان.
وفي الناحية الشرقية، انتشرت قوات الجيش الوطني الفيدرالي في المزروب والزريبة وأم سيالة، بينما من الجنوب تمكّنت من بسط نفوذها على كازقيل، إحدى أهم المحطات على الطريق الرابط بين الأبيض والدلنج وكادوقلي، الذي طالما استخدمته قوات الفلول لنقل العتاد والتحشيد العسكري. أما من الجنوب الغربي، فقد أُغلق الطريق تماماً بعد السيطرة على الدبيبات، والحمادي، والفولة.
لم يتبقّ سوى طريق كوستي–الأبيض الذي تسعى قوات (NFA) حالياً إلى استكمال السيطرة عليه من خلال التقدم نحو تندلتي، وود عشانا، وأم روابة، وبالأخص بارا، وهي البوابة الشمالية الشرقية للمدينة. وفي حال إحكام السيطرة على هذا المحور، تصبح الأبيض تمامًا تحت الحصار الكامل، ومعها مدن بابنوسة والفاشر المحاصرتين كذلك.
ان العامل المشترك في كل تجارب الحصار أنه رغم قسوته، أثبت جدواه في تحقيق أهداف عسكرية وسياسية. وهو ليس مجرد قطع للإمداد، بل فعل مركب يستهدف إنهاك الخصم نفسياً، وشل حركته عسكرياً، وتفتيت نسيجه الداخلي. وبذلك، يصبح الحصار استراتيجية لا تقف عند حدود التكتيك العسكري، بل تتجاوزها إلى أداة لتغيير موازين القوى.
في هذا السياق، فإن إعادة حصار الأبيض ليست تكرارًا لحدث تاريخي فحسب، بل تأكيد على أن معادلات الانتصار قد لا تتغير كثيرًا حين تتشابه الجغرافيا، وتتوفر الإرادة، وتتجدد الرؤية. وكما كانت الأبيض مدخلًا لتحرير باقي مدن السودان في عهد المهدي، فإنها اليوم تعود لتكون البوابة الكبرى نحو تفكيك منظومة الفساد والاستبداد، واستعادة زمام المبادرة لبناء سودان فدرالي، عادل، تعددي، وحر.
إن التاريخ لا يعيد نفسه عبثًا، بل حين تكون شعوبه على قدر من الوعي والإرادة لتكرار مجده، لا مأساته.




