
نجم الدين دريسة
الجوار الذي لا يعرف الحياد
في السياسة، لا تُفرض النوايا، ولا تُمنح صكوك البراءة. السودان، منذ نشأة دولته الحديثة، دفع ثمن جوار لم يعرف الحياد يومًا، تجاوز سوء الظن العريض إلى تدخل منهجي، ووصاية، وإدارة الأزمات من خلف الستار. الحديث عن الدور المصري ليس انفعالًا عاطفيًا، بل قراءة لتاريخ طويل من السياسات الثابتة التي تتبدل لغتها ولا تتبدل غاياتها. من حرب الجنوب إلى الإبادة الجماعية في دارفور، ومن النزاعات في جبال النوبة والنيل الأزرق إلى الخرطوم نفسها، كانت مصر حاضرة بقوة، عبر دعم سياسي، وعسكري، واستخباراتي، وإعلامي.
دولة تُدار من الخارج
القرار السوداني، في محطات مفصلية، لم يكن نتاج إرادة وطنية خالصة. القاهرة رأت السودان مجالًا حيويًا للضبط، لا دولة ذات سيادة مكتملة. تشكلت شبكات نفوذ داخل مؤسسات حساسة، وتحول القرار إلى ملف يُقرأ خارج الحدود قبل أن يُعلن داخلها. وما بين “النصيحة” و“الدعم” و“الوساطة”، كان جوهر الفعل واحدًا: التحكم لا الشراكة. كل انقلاب، كل مرحلة من عسكرة السياسة، كل قرار أمني، شهد دعمًا أو توجيهًا مباشرًا أو غير مباشر من القاهرة، بما في ذلك المعدات والعتاد العسكري.
العسكر كخيار وحيد
لم تخفِ مصر يومًا انحيازها البنيوي للمؤسسة العسكرية. كل انتقال مدني يُقرأ بوصفه تهديدًا لنموذج “الاستقرار القسري”. الثورات السودانية واجهت الحصار السياسي والإعلامي، وتم دفعها إلى الزوايا الضيقة. العسكر ليسوا مجرد فاعل داخلي، بل الضمانة الإقليمية لاستمرار النفوذ. في كل مرة حاول السودانيون بناء مشروع مدني مستقل، كانت مصر تجهز شبكة عملاء، وتعيد ترتيب أجهزة الدولة بحيث تبقى القوة العسكرية هي الحاكم الفعلي، وتحصر السيادة في يد غير وطنية.
ثورة ديسمبر: الخطر الذي أقلق الجار
حين خرج السودانيون في ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، كان ذلك إعلانًا عن إمكانية كسر القالب. هذا الاحتمال أقلق القاهرة: نجاح نموذج مدني ديمقراطي يعني سقوط سردية “لا بديل عن الحكم الصلب”، وإمكانية اختيار الشعوب طريقًا مستقلًا خارج وصاية الجار. من اليوم الأول، تحركت شبكات مصرية لإجهاض الثورة: من الضغط على القوات المسلحة، إلى توجيه الإعلام، إلى احتضان عناصر النظام البائد، كل ذلك لمنع انتقال السلطة للمدنيين.
من الانقلاب إلى الحرب: المسار نفسه
الانقلابات ليست محطات معزولة، بل حلقات في سلسلة واحدة. كلما تقدّم المدنيون خطوة، جاءت الخطوة المضادة. وحرب 15 أبريل ليست استثناءً؛ بل ذروة لمسار طويل. التدخل المصري، سياسيًا وعسكريًا، ساعد في تغذية منطق “الحسم” بدل السلام، وشرّع عسكرة السياسة بوصفها قدرًا لا فكاك منه. الطيران المصري، المشاركة المباشرة، ضبط الأسلحة المصرية، القبض على قوات، كل هذه الأدلة تثبت أن القاهرة لم تكتف بالدعم النفسي أو السياسي، بل كانت شريكًا دمويًا في الحرب نفسها.
خطاب السيادة… وممارسة الوصاية
يتكرر في الخطاب المصري الحديث عن “وحدة السودان” و“سيادته”، لكن السيادة لا تُحمى بدعم الانقلابات، ولا تُصان بإدارة القرار من خارج الحدود. السيادة مفهوم عملي: احترام خيارات الشعب، لا هندستها. كل خطاب لا يترجم لهذا المعنى يبقى لافتة أخلاقية بلا مضمون. مصر، منذ الاستقلال، لم تتردد في التدخل في كل مفصل سياسي: دعم الجنرالات، تمكين المخابرات، التوجيه الإعلامي، وتقديم الدعم المالي لمؤسسات عسكرية نافذة، وكل ذلك لتأكيد نفوذها بدل تعزيز سيادة السودان.
الإعلام كسلاح ناعم
لم يقتصر التدخل على السياسة الصلبة. منصات إعلامية تحولت إلى غرف عمليات ناعمة، تعيد تشكيل الوعي، وتضخ خطاب التخويف، وتؤجج الانقسامات. اللغة ليست وصفًا للواقع، بل أداة لصناعته. من شحن الرأي العام ضد المدنيين إلى تصوير القوات المستقلة كتهديد أمني، كان الإعلام المصري يمارس دورًا مباشرًا في تبرير كل حرب واحتلال مؤقت للأراضي السودانية.
الاقتصاد بوابة الاستنزاف
العلاقة الاقتصادية لم تُبنَ على التكامل المتكافئ، بل على اختلال مزمن: موارد تتدفق شمالًا، أسواق تُفتح من طرف واحد، واستثمارات تُدار بمنطق الغلبة لا الشراكة. يمكن للجوار أن يكون رافعة نهضة، لكنه اختار صمام إعاقة. استغلال النيل، الموارد الطبيعية، وحتى السيطرة على المعابر الحدودية، كلها أدوات ضغط دائم، تهدف إلى إبقاء السودان في حالة ضعف اقتصادي وسياسي، يسهل التحكم فيه.
حين يخاف الجار من نهضتك
الخيط الناظم لكل هذا التاريخ هو الخوف من نهوض السودان. نهضة تعني قرارًا مستقلًا، وتوازنًا إقليميًا جديدًا، ونهاية دور الوكيل. كلما لاح أفق للإصلاح، اختُرعت المخاوف، وأُعيد خلط الأوراق، وأُجهضت الفرص. مصر تخشى السودان الحر المستقل، لأنه يعني فقدان أوراق الضغط والإدارة التاريخية للجيش والسياسة الداخلية.
حرب 15 أبريل: الأدلة على التواطؤ المصري
حرب 15 أبريل كشفت الدور الأكثر فجاجة: مشاركة مصر في القصف الجوي للأعيان المدنية والبنية التحتية، ضبط أسلحة وذخائر صناعة مصرية، القبض على أعداد مهولة تم تسليمهم لمصر، وكل ذلك يثبت أن مصر لم تكن مجرد مراقب، بل شريك فعلي في إشعال الحرب واستمرارها. الطيران المصري دمّر الكهرباء، الجسور، المرافق الحيوية، واستهدف المدنيين عمداً، وهو سلوك متكرر من تدخلات القاهرة في الصراعات السودانية.
السودان… العدو في ثوب الجار
توصيف مصر بوصفها “عدو السودان اللدود” ليس شتيمة سياسية، بل وصف واقع تاريخي. العدو ليس من يعلن الحرب رسميًا فقط، بل من يعمل على إضعافك وتقسيمك وإشعال الحرائق في بيتك، ثم يدّعي أنه شقيق أو جار. الدعم العسكري، السياسي، الإعلامي، والسيطرة على القرار الداخلي، كلها مؤشرات على أن مصر لم تتخل عن سياسة الوصاية أبدًا.
كسر القيد الأخير
السودان لا يطلب عداوة مع جيرانه، لكنه يريد علاقة ندّية، قائمة على الاحترام المتبادل، ووقف كل أشكال التدخل، ومحاسبة كل من تورط في جرائم الحرب، مهما كان موقعه أو دولته. العدالة، وإن تأخرت، ستأتي. حرب 15 أبريل أسقطت الأقنعة: مصر شريك دموي في الحرب على السودان، وهذه الحقيقة ستظل حاضرة في الذاكرة الوطنية.
الوعي الوطني
ليس في هذا المقال دعوة للكراهية، بل دعوة للوعي. العدوان ليس قدرًا، لكنه يصبح ضرورة حين يُفرض بالقوة. السودان، إذا أراد الخروج من دوامة الحروب، فعليه أولًا أن يسمّي الأشياء بأسمائها، ويعيد تعريف علاقاته الإقليمية على أساس الندية والمصلحة المتبادلة. مصر، إن أرادت مستقبلًا مختلفًا، عليها التوقف عن لعب دور العدو المتخفي، والاعتراف بأن زمن الوصاية انتهى، وأن الشعوب مهما طال صبرها، لا تنسى من أشعل النار في بيوتها.




