
الفاضل محمود أبوبكر
حين تُعرض العاصمة في مزاد الصفقات
لم تعد الخرطوم عاصمة تُدار بمركزية القرار الوطني ولا حاضرةً تعبّر عن نبض الدولة. إنها تُفرَّغ كل يوم من معناها، وتُفكَّك جغرافيًا وسياسيًا، وتُعرض كأصل عقاري للبيع على أقساط في سوق النفوذ الإقليمي والدولي.
والمفارقة القاتلة أن من يفترض أنه يحكم باسم الشعب، هو من يفاوض على ما تبقى منه
العاصمة السودانية لا تُقصف فحسب، بل تُقسّط
تُقايَض السيادة تدريجيًا مقابل الحماية، ويُعاد ترسيم النفوذ داخلها وفق تفاهمات لا تُعلَن ولكن تُنَفَّذ
وكل ذلك باسم استعادة الدولة الكل يباع ويشتري
من يدير اللعبة؟
اللاعبون في المشهد ليسوا فقط من يعتلون المنصات أو يصدرون المراسيم القرار السوداني خرج منذ وقت طويل من يد السياسيين والعسكريين القائمين علي حكومه الأمر الواقع
المشهد اليوم يُدار من خلف ستار سميك من الصفقات والضغوطات المتقاطعة، تشارك فيها أطراف إقليمية تشتري النفوذ بأسماء متعددة، وقوى دولية تحرك القطع بما يخدم مصالحها لا مصالحنا.
لكن الأخطر من ذلك أن الحكومة القائمة، التي تتخذ من الشرق مقرًا رمزيًا لها لم تعد تُمارس دور السلطة بل تحوّلت إلى جهة تفاوض على بقاءها من خلال التنازل المتدرج عن مفاتيح الدولة
تتنازل عن الأرض لتكسب الولاء
تمنح الامتيازات لتضمن الاستمرار
وتقايض السيادة مقابل اعتراف سياسي، أو صمت استخباراتي أو حماية مؤقتة
إنها ليست سلطة تُخطئ، بل منظومة تُفرِّط بوعي تُدير الخرطوم كأنها شركة تُصفّي أصولها قبل الإفلاس
عندما تصبح السيادة بنداً في عقد غير مكتوب
ما يجري لا يمكن وصفه باتفاقات علنية أو مفاوضات بين دول ما يُصاغ اليوم يتم عبر “تفاهمات” خفية ترتب النفوذ، وتُحدّد من يحق له الوصول إلى ما تحت الأرض وما فوقها ومن يُسمَح له بالتحرك بحرية في الجغرافيا السياسية للدولة
يُدار الملف السوداني عبر صيغ غير دستورية
يتم فيها تقنين العبث
وتشريع التنازل
وتهريب الدولة من يد أهلها إلى شبكات مصالح عابرة للحدود
ومع كل جولة تفاوض سوف يخسر السودانيون شيئاً لا يُعوّض
قطعة من الأرض
أو منفذ من البحر
أو شريان اقتصادي
أو ذرة من السيادة
من يدفع الثمن؟
الشعب وحده هو الذي يدفع ولا أحد سواه
يُقصف في مدنه
يُجبر على النزوح من بيوته
يُهان في صفوف الخبز والدواء
ويُدفن بصمت تحت ركام الروايات الرسمية.
المدنيون ليسوا جزءًا من اللعبة، بل أوراق محترقة فيها
النساء يُغتصبن تحت أنقاض الشعارات الزائفة
والأطفال يُجندون أو يُستغلون أو يُنسون
والنخب تتبعثر بين المنافي والمناشدات
بينما الدولة تُدار بلا شعب والخرطوم بلا وجدان
الخرطوم لا تُباع دفعة واحده
بل بالتقسيط
هذه ليست حربًا فقط بل مشروع تصفية وطن
والخرطوم، بصفتها قلب هذا الوطن
تُباع شبرًا شبرًا في كل مرحلة من مراحل الإنهاك والتفاوض
وفي كل صمت رسمي
وفي كل خذلان دولي
وفي كل صفقة تمر بلا مساءلة
ما تبقى من الخرطوم ليس أكثر من اسمٍ على خريطه
تسكنها قوى تتصارع على الأرض وتتنازعه الصفقات في الهواء
ويُصاغ مصيره في مكاتب لا تعرف شيئًا عن تراب هذه المدينة
ما يجري الآن ليس مؤقتًا إنه إعادة تشكيل للسودان عبر تقسيط الخرطوم
وإذا لم يُكسر هذا المسار من جذوره
فلن ينجو أحد
لأن من يبيع الخرطوم اليوم
سيبيع مدني غدا و بورسودان بعد غد بل والسودان
حين غفله




