مجتمع

حرب السودان ودور الأصدقاء الأعداء في إذكاء النزاع؛ تمويل صفقات السلاح من اجل استدامة الحرب؛

مجدي شريف*

منذ اندلاع الحرب المدمرة في السودان في أبريل 2023، ظل الدور الإقليمي حاضراً بقوة، لا بوصفه عامل تهدئة أو دعم للسلام، بل كعنصر يغذي ألسنة اللهب ويطيل عمر الصراع. ما يُطلق عليهم “الدول الصديقة” غالباً ما يثبت أنهم أعداء للسلام، إذ يمدّون تنظيم الاخوان للمسلمين بوصفهم الطرف المعتدى في هذا النزاع بالسلاح والمال، في وقت يحتاج فيه السودان إلى المصالحة لا إلى الذخيرة.
في هذا السياق، برزت مؤخراً صفقة تسليحية مريبة بين باكستان والسودان كأحد أبرز الأمثلة على كيفية إسهام هذه الدول في إطالة أمد الحرب، فبدلاً من الدفع نحو حل سياسي، هذه الصفقة تثير كثيراً من التساؤلات حول مصادر تمويلها، وحول الأجندة الإقليمية التي تقف خلفها.
تعود تفاصيل هذه الصفقة المريبة الى ما نشره
موقع ProPakistani،  حيث أبرمت شركة الصناعات العسكرية السودانية التي يديرها تنظيم الاخوان عقداً مع الحكومة الباكستانية تتجاوز قيمته 1.5 مليار دولار، يتضمن تزويد حكومة بورتسودان المنبوذة بمجموعة واسعة من الأسلحة والمعدات، تتضمن:
•10 طائرات تدريب/هجوم خفيف من طراز K-8 Karakorum
•20 طائرة مسيّرة من طراز Shahpar-2
•150 طائرة مسيّرة من طراز YIHA-III
•50 طائرة مسيّرة من طراز MR-10K
•50 طائرة مسيّرة من طراز Ababeel-5
•محركات لطائرات MiG-21
•150 مركبة مدرعة من طراز ASV Mohafiz
•أنظمة دفاع جوي من طراز HQ-9 و HQ-6
الجدير بالذكر، ان تمويل هذه الصفقة يثير علامات استفهام عديدة، ليس فقط لحجمها الذي يفوق إمكانيات بورتسودان المالية، بل لأنها تأتي في وقت يعيش فيه السودانيون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية. علاوة على ذلك، فإن حجم الصفقة الضخم نسبيا يوحي بوجود تمويل خارجي من دولة ثالثة للاسف “صديقة”، وهو ما أكدته تقارير إعلامية مستقلة مثل MyJoyOnline، معتبرةً أن هذه الصفقة تمثل امتداداً مباشراً لعمر الحرب عبر تمكين جماعة بورتسودان من الاستمرار في العمليات العسكرية رغم فشلهم المتواصل في ميدان القتال.
هذا ولا يمكن فهم استمرار الحرب دون التوقف عند الدور السلبي لبعض القوى الإقليمية المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين. فدول مثل قطر وتركيا، وبدرجة ما باكستان، تتحرك في مسرح الحرب السودانية باعتبارها منصات دعم عسكري ومالي، تستهدف الحفاظ على نفوذ التنظيم في بورتسودان وأجهزة الدولة.
كما ان العلاقات الاخوانية الوثيقة بين باكستان وتركيا وقطر تعزز هذا الدور المساند للإخوان في السودان، حيث تُعرف أنقرة والدوحة بدعمهما المعلن للجيش السوداني، ما يجعلهما مرشحتين بارزتين للوقوف وراء تمويل الصفقة الباكستانية. وبذلك، يتحول النزاع السوداني إلى حرب بالوكالة، تستغلها هذه الدول لتحقيق أجندات سياسية إقليمية، بينما تُستنزف دماء السودانيين وأرضهم.
كذلك، إن مجرد التعبير عن القلق الدولي أو الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية لن يوقف نزيف السودان. المطلوب اليوم هو إجراءات حاسمة من مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، تتضمن؛ تشديد الرقابة على تجارة الأسلحة في المنطقة، ودعم آليات التحقيق الدولية لكشف شبكات التمويل والتسليح. فالحل يبدأ من تجفيف منابع السلاح، لا من ترديد بيانات التضامن. إن استمرار غضّ الطرف عن هذه الصفقات يعني التواطؤ في الجريمة الجماعية الجارية بحق المدنيين السودانيين.
ان الصفقة الباكستانية المريبة ليست سوى صبّ للزيت على النار. فهي تمنح الدول المصدّرة أرباحاً مالية، لكنها تترك الشعب السوداني يواجه المزيد من الخراب؛ نزوحاً جماعياً، انهياراً اقتصادياً، ومقابر جديدة كل يوم.
لقد آن الأوان لفضح الوجه الحقيقي لهذه “الدول” التي لا ترى في السودان سوى ساحة لتصفية حسابات أو مصدر ربح. إن الخروج من النفق المظلم لن يتحقق إلا عبر حوار سوداني داخلي مستقل، بعيداً عن تدخلات الخارج، وبوقف الدعم العسكري لتنظيم الاخوان الذي يقود هذا الصراع الدموى.
* خبير أمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!