رأي

السودان بين ضغوط واشنطن وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية: دراسة تحليلية

عادل تاج الدين جار النبي

عادل تاج الدين جار النبي

في لحظة فارقة من الحرب الدائرة في السودان، وجد الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه مضطرًا لطرق باب واشنطن. ففي منتصف أغسطس 2025، التقى في سويسرا بمسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشؤون أفريقيا، في اجتماع استمر لساعات، عُرضت فيه مقترحات لوقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية. لم يكن اللقاء عاديًا؛ فقد مثّل بداية مسار مباشر مع الإدارة الأميركية بعد سنوات من التردد والحذر.
لكن ما لفت الأنظار أكثر هو ما أعقب اللقاء مباشرة. ففي 18 أغسطس أعلن البرهان سلسلة تغييرات في قيادة الجيش، شملت إعفاءات وتعيينات أعادت ترتيب مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية. هذه الخطوة لم تكن داخلية فحسب، بل حملت رسالة إلى الخارج: أن الجيش موحّد تحت قيادته، وأنه القائد الوحيد القادر على ضمان أي التزامات سياسية أو إنسانية يتم التوصل إليها.
الولايات المتحدة بدورها تنظر إلى السودان من زاوية استراتيجية. فهي تخشى من انهيار الدولة بما يهدد أمن البحر الأحمر، وتخشى أيضًا من تمدّد النفوذ الروسي عبر قنوات غير رسمية في المنطقة. إلى جانب ذلك، يفرض المشهد الإنساني الكارثي نفسه بقوة؛ ملايين النازحين والمهددين بالمجاعة جعلوا السودان أولوية على أجندة المنظمات الدولية والبيت الأبيض على حد سواء.
وبينما تحاول واشنطن اختبار نوايا البرهان، يسعى الأخير إلى إعادة تقديم نفسه كشريك لا غنى عنه. فالتغييرات العسكرية بعد لقاء سويسرا بدت وكأنها ورقة اعتماد جديدة، هدفها القول إن الرجل يمسك بزمام الأمور، وإن أي اتفاق لا يمكن أن يتم من دونه.
لكن الواقع أعقد من هذه الرسائل المتبادلة. فالصراع في السودان يظل محكومًا أيضًا بالتوازنات الإقليمية؛ مصر تعتبر الجيش السوداني ضمانة لأمنها ومياه النيل، والإمارات ارتبط اسمها بدعم قوات الدعم السريع، فيما تتبنى السعودية موقفًا حذرًا يركز على الإغاثة، بينما تراقب إثيوبيا بخوف تداعيات الحرب على حدودها. في هذا المشهد يسعى البرهان لإثبات أنه الرقم الأصعب في المعادلة.
رغم ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه التحركات إلى مخرج سياسي، أم أنها مجرد تكتيكات في حرب طويلة؟ السيناريوهات المطروحة متباينة؛ وقف إطلاق نار قصير قد يخفف معاناة المدنيين من دون أن يعالج جذور الأزمة، تصعيد عسكري يمنح الجيش موقعًا أقوى لكنه يفاقم الكارثة الإنسانية، أو استمرار الجمود بما يعني حرب استنزاف لا تنتهي.
ما جرى في أغسطس يختصر معادلة البرهان: قبضة أقوى في الداخل عبر إعادة تشكيل الجيش، وانفتاح محسوب على الخارج عبر واشنطن. بين الداخل والخارج، يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي. إما أن تتحول هذه الخطوات إلى بداية تسوية سياسية تفتح نافذة أمل، أو أن تبقى مجرد فصل جديد في حرب بلا نهاية.

دلاس/تكساس
الثلاثاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!