رأي

استراتيجية الإخوان في تجنيد الأطفال القصر

مجدي شريف

مجدي شريف
في خضم الحرب المدمرة التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، برزت واحدة من أبشع الجرائم التي تهدد كيان المجتمع السوداني ومستقبل أجياله، وهي جريمة تجنيد الأطفال القُصر والزج بهم في أتون الصراع المسلح. هذه الممارسة الممنهجة لم تعد مجرد حوادث متفرقة، بل باتت جزءاً من استراتيجية متكاملة يتبناها تنظيم الإخوان الإرهابي عبر شبكاته الأمنية والعسكرية، مستخدماً أساليب الترهيب والترغيب لاستقطاب القُصر والشباب العاطلين عن العمل، بغية تحويلهم إلى وقود لحرب عبثية لا رابح فيها.
لقد كشفت حادثة الطفل الأسير في معركة أبو قعود المستور عندما صرّح بعيون زائغة مرتجفة: “قالوا لينا كل أسرة لازم تجيب راجل للاستنفار”. هذه العبارة لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل دليل دامغ على أن استراتيجية التجنيد التي يتبعها التنظيم تقوم في جوهرها على إجبار الأسر في مناطق سيطرته – بالخرطوم والجزيرة – على تقديم أحد أبنائها، بغض النظر عن عمره أو استعداده. وهو أسلوب ينسجم تماماً مع طبيعة عمل الاستخبارات العسكرية لتنظيم الإخوان التي اعتادت توظيف الترهيب كأداة للسيطرة، مستندة إلى تاريخ طويل من استغلال المجتمعات المحلية عبر الضغط النفسي والاجتماعي.
وإذا كان الترهيب يمثل الاستراتيجية الأولى، فإن الترغيب لا يقل خطورة عنه. فقد عمل التنظيم على استغلال الظروف الاقتصادية الكارثية في السودان، مستدرجاً الأسر الفقيرة والشباب العاطلين بالمال والوعود الكاذبة. وأكدت مصادر محلية في ولاية الجزيرة – لا نستطيع الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية – أن هناك “وكلاء محليين” يتقاضون عوائد مالية مقابل كل شاب أو طفل يتم تجنيده لصالح الميليشيات المتحالفة مع جيش الفلول والحركات العرقية. هذه الشبكات الوسيطة أشبه بسماسرة موت، يتربحون من دماء أبناء الوطن، غير عابئين بأعمارهم أو مستقبلهم. وقد روت إحدى الأمهات الثكالى أن اثنين من أبنائها لقيا حتفهما في معارك كردفان الأخيرة بعدما جرى استدراجهما بذات الأسلوب.
إن مثل هذه الممارسات لا تنتهك فقط القانون الدولي – الذي يجرم تجنيد الأطفال ويصنفه كجريمة حرب – بل تخرق أيضاً القوانين الوطنية السودانية التي تحظر صراحة إشراك أي طفل دون الثامنة عشرة في النزاعات. فالمادة (22) من قانون الطفل السوداني لسنة 2010 تنص بوضوح على منع تجنيد الأطفال واعتباره جناية جسيمة. أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فقد ذهب أبعد من ذلك باعتباره هذه الممارسات جرائم حرب تستوجب الملاحقة الجنائية الدولية.
تجنيد الأطفال والشباب في السودان ليس ظاهرة معزولة؛ إنها جزء من نمط إقليمي ودولي سبق أن شهدناه في ليبيريا وسيراليون خلال التسعينيات، حيث تحولت جحافل الأطفال إلى مقاتلين قسريين في حروب أهلية مروعة. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وثقت الأمم المتحدة آلاف الحالات لأطفال أُجبروا على القتال ضمن مليشيات محلية. أما في الشرق الأوسط، فقد مارس تنظيم داعش ذات الأساليب، مجبراً أسر سورية وعراقية على تقديم أبنائها، بينما أغرى آخرين بالمال والسلطة. هذه الأمثلة تظهر أن ما يجري في السودان ليس جديداً، لكنه يتكرر الآن بشكل خطير تحت لافتة الإخوان وحلفائهم.
خطورة هذه الاستراتيجية لا تكمن فقط في حجم الجرائم المرتكبة آنياً، بل في تداعياتها المستقبلية. الموارد البشرية للشعوب هي ثروتها الأثمن، وحين يُقتل الأطفال أو يُشوّه وعيهم ويُدفعون نحو العنف، فإن المجتمع يفقد رأس ماله البشري لعقود. أطفال اليوم الذين يُستغلون كجنود، سيخرجون من الحرب بأجساد معطوبة ونفوس محطمة، ليشكّلوا قنابل اجتماعية موقوتة تهدد الاستقرار لعقود مقبلة. كما أن نزيف الشباب بهذا الشكل يعني فقدان قوة العمل المنتجة، الأمر الذي يقود إلى آثار اقتصادية كارثية: ضعف الإنتاجية، اتساع دائرة الفقر، وتراجع التعليم والتنمية لعشرات السنين.
إن العالم اليوم أمام مأساة مزدوجة في السودان: مأساة الحرب التي لا تزال تأكل الأخضر واليابس، ومأساة تجنيد الأطفال القصر والشباب العاطلين، الذين يُساقون قسراً أو إغراءً إلى خطوط النار. إن السكوت عن هذه الجريمة يعني القبول بتحويل السودان إلى بؤرة جديدة لإعادة إنتاج سيناريوهات ليبيريا والكونغو وسوريا والعراق.
لقد آن الأوان لوقف هذه الجريمة قبل أن يستفحل أثرها. وعلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية والإنسانية، أن تتحرك فوراً لفتح تحقيقات شاملة، وفرض عقوبات محددة على كل من يثبت تورطه في تجنيد القصر. كما ينبغي إلزام جميع الأطراف بتسريح الأطفال المجندين، وإعادتهم إلى أسرهم، وإطلاق برامج لإعادة تأهيلهم نفسياً وتعليمياً. فالأطفال ليسوا جنوداً، ولن يكونوا أبداً أدوات لتصفية الحسابات السياسية أو العسكرية.
إن الاستراتيجية التي يتبعها تنظيم الإخوان في السودان، القائمة على الترهيب والترغيب في تجنيد الأطفال والشباب، ليست سوى جريمة جماعية بحق الوطن والمستقبل. وإن تجاهلها لن يقود إلا إلى مزيد من الدماء والانهيار. يجب أن يسمع العالم صرخة طفل أبو قعود، وأن يدرك أن كل دقيقة تمر دون تدخل، تُزهق فيها أرواح جديدة وتُسرق طفولة جديدة.
•خبير امني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!