رأي

اختيار رئيس الوزراء: ما بين الديماغوجيا والتفكير الرغبوي

نجم الدين دريسة

لا تزال المشاورات جارية حول تشكيل حكومة التأسيس المنتظرة من قبل طيف واسع من الشعب السوداني، ذلك الشعب الذي طال انتظاره حتى أصابه الملل، وهو يترقب حكومة تعبّر عن تطلعاته وآماله، وتُجسّد ما تضمنته الوثيقة السياسية والدستور الانتقالي من مبادئ وأحلام في واقع ملموس.

لكن، ورغم هذا الترقب، فإن تأخر تشكيل الحكومة يبدو مبرَّراً إن نُظر إليه من زاوية طبيعة التحولات الكبرى التي ترافق هذا المشروع التأسيسي، سواء في بُعده النظري أو المفاهيمي، أو في ما يتطلبه من ترتيبات وإجراءات تمهِّد الأرضية السياسية والمؤسسية لانطلاق حكومة ترتكز على أساس متين.

لقد شغل موضوع اختيار رئيس الوزراء حيّزاً واسعاً من النقاش العام، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى أهمية هذا المنصب في قيادة الجهاز التنفيذي. غير أن بعض الأطروحات انزلقت إلى خطابات مغلقة، متقوقعة داخل أطر جهوية أو مناطقية، تتنافى تماماً مع روح المشروع التأسيسي الذي يقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، والسلام، وقيم التعايش الوطني.

لسنا بصدد تأسيس دولة تُقام على أشلاء الشعارات أو على أنقاض دماء الشهداء، بل نؤسس لمسار جديد، لا مكان فيه للمزايدة أو الاستغلال السياسي، مسار يتّسق مع الرؤية التي أجمعت عليها القوى الثورية في مؤتمر نيروبي. تأسيس لا يهدف إلى إقصاء أحد، بل يسعى إلى صياغة مشهد وطني جامع، تتعايش فيه المكونات كافة، باختلاف خلفياتها الفكرية، السياسية، الجغرافية، الثقافية، والاجتماعية.

المشروع التأسيسي الذي نطمح إليه هو مشروع ضد الدولة المركزية القامعة، دولة الغنائم والإقصاء والاحتكار. وهو بذلك بديل عن “دولة الستة وخمسين”، وليس نسخة مكررة منها بعدد آخر.

من هذا المنطلق، فإن اختيار رئيس الوزراء لا ينبغي أن يكون خبط عشواء أو خاضعاً للأمزجة، بل يجب أن يقوم على معايير موضوعية راسخة:

معايير أخلاقية، وسياسية، وعلمية، ومهنية، وتنفيذية، وقيادية، واجتماعية.

نريد شخصاً يتسم بالصدق، والأمانة، والمسؤولية، والقدرة على التخطيط ورسم الاستراتيجيات، وامتلاك روح المبادرة والجرأة في اتخاذ القرار، وحسن الاستماع، والحس الإنساني، والتنظيم، والكفاءة المهنية، والحنكة السياسية، والثقافة العامة، والتجربة العملية، والقدرة على استيعاب أدوات العصر والتكنولوجيا الحديثة.

وفوق كل ذلك، أن يكون مؤمناً بصدق بمشروع التغيير، لا متكسباً منه.

نحن نبحث عن رئيس وزراء لا يقدَّم لنا كاسم أو لقب، بل كشخصية جامعة، ترمز للعطاء والانتماء، والتفاني في خدمة مشروع الدولة الجديدة.

إن رفضنا للظلم التاريخي، ولقيم دولة النخب، ودولة ما بعد الاستعمار، يفرض علينا تحدياً جوهرياً: أن نُفكّر خارج صندوق المألوف، ونكسر قوالب التفكير التقليدي التي ثُرنا ضدها بالأمس.

هل يُعقل أن تحصر حكومة التأسيس—التي تقوم على مبدأ التعدد والتنوع، وتدعو لقومية حقيقية ضمن نظام فيدرالي علماني، وترفع شعارات السلام والوحدة والعدالة—خياراتها في إقليم أو منطقة محددة؟

هل يُعقل أن يقع هذا المشروع في فخ التماثل مع الحكومة الانفصالية التي يراد الخلاص منها؟

ليس من الحكمة أن نُخضع هذا الاستحقاق المصيري لمنطق التفكير الرغبوي أو المزاجي، فذلك طريق خطر ينذر بإعادة إنتاج أزمات الانقسام والتشظي التي عانى منها السودان طويلاً.

نريد رئيساً يقود التأسيس، لا من داخل ذاكرة الماضي، بل من قلب المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!