رأي

كيف يستقيم الظل و العود اعوج 108؟ الجيش السوداني بين اختراق الإخوان وضغوط مصر: قراءة في معركة الدولة الوطنية

الصديق المريود

يقال في الأمثال: “إذا انكشف المستور سقطت الأقنعة”، واليوم يعيش الجيش السوداني لحظة دقيقة أشبه بالامتحان العسير، إذ تتقاطع فيه أقدار وطن بأكمله مع خيوط التنظيم الإخواني الذي تسلل إلى صفوفه عبر عقود من التمكين. إن ما يحدث لم يعد شأناً داخلياً محدوداً، بل قضية تهم الرأي العام السوداني والعالمي، وتضع الجيش السوداني تحت مجهر التاريخ، كما تضع النظام المصري في مواجهة مباشرة مع مشروع ظل يشكل تهديداً لأمنها القومي والإقليمي.

لم يكن موقف مصر وليد اللحظة؛ فمنذ أن دفعت ثمناً باهظاً لمغامرات الإخوان على أرضها، حسمت أمرها بأن هذا التنظيم خطر وجودي لا سياسي. لذا فهي ترى أن وجود الإخوان داخل الجيش السوداني ليس مجرد شأن داخلي، بل تهديد إقليمي مباشر. وكما قال المتنبي:

“إذا رأيتَ نيوبَ اللّيثِ بارزةً
فلا تظنّنّ أنَّ اللّيثَ يبتسمُ”

وهذا البيت البديع يعبّر عن جوهر الموقف؛ فابتسامة القوة قد تُخفي في ظاهرها وداً، لكنها في حقيقتها إنذارٌ بالعقاب والردع. ظهور أنياب الأسد ليس دعوة للسلام بل إشارة إلى الاستعداد للافتراس. وهكذا هو موقف مصر اليوم: فهي لا تبتسم في وجه الخطر الإخواني، بل تُظهر أنيابها السياسية والأمنية بوضوح، لتردع كل محاولة لاختراق جدارها أو تهديد استقرارها من الداخل السوداني. وكما يقول المثل السوداني: “الضرب على المليان ما بخلي سلك”، أي أن المواجهة مع الخطر لا تحتمل المجاملة أو المداراة، بل تحتاج حزماً يقطع دابر التهديد من جذوره.

تكشف تقارير متداولة عن وجود أدلة ووثائق تثبت تغلغل الحركة الإسلامية داخل الجيش السوداني، ما يجعل المؤسسة العسكرية في حالة ارتباك وتوجس. وكما يقول المثل السوداني: “الفي قلبو حاجة ببان في عينو”. هذا القلق ليس خافياً؛ فكلما حاولت بعض القيادات العسكرية إخفاء الحقيقة، ازدادت الشكوك داخلياً وخارجياً، ليجد الجيش نفسه محاصراً بين مطرقة مصر وسندان الرأي العام السوداني.

لقد بات واضحاً أن مصر تدفع باتجاه إبعاد أو تصفية العناصر الإخوانية داخل الجيش السوداني، ليس كرهاً في الجيش، بل حماية له من الانقسام والاختراق. التجربة المصرية مع الإخوان خير شاهد؛ فقد حاولوا تحويل الجيش المصري إلى أداة لمشروعهم، فتصدى لهم الضباط الوطنيون حمايةً للدولة. ومثلما قيل: “التاريخ يعيد نفسه، لكن بأشكال مختلفة”. فما جرى في مصر عام 2013، يتكرر اليوم في السودان بصورة أخرى.

هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها جيشٌ خطر تنظيم عقائدي متغلغل في صفوفه. وما السودان اليوم إلا حلقة جديدة في سلسلة صراع تتجاوز حدود الجغرافيا لتصب في معركة إنسانية كبرى: معركة بقاء الدولة الوطنية أمام مشاريع الهدم والتفكيك.

المشهد إذن لا يستند إلى فراغ، بل إلى واقع يتشكل على الأرض، حيث تبدو مصر حازمة، والجيش السوداني مرتبكاً، والحركة الإسلامية في مأزق انكشاف. وكما قال الشاعر السوداني فضيلي جماع:
“سيولد من رحم الجراح فجر جديد،
وتهب رياح الحرية على أرضنا العطشى.”

ولعل التاريخ السوداني يمدنا بالدروس؛ فكما قال الإمام المهدي في لحظة التحدي الكبرى: “إنني حملت راية الدين والوطن، ولن تُطوى إلا بالنصر أو الموت.” هذه الكلمات التي وحدت السودانيين آنذاك، ما زالت تُذكّرنا اليوم أن معركة الكرامة والسيادة لا تنفصل عن شرف الجيش السوداني.

ومن بعده بسبعين عاماً، جاء صوت عبد الرحمن دبكة تحت قبة البرلمان في 19 ديسمبر 1955 ليعلن: “نحن نعلن باسم هذا الشعب استقلال السودان كاملاً غير منقوص.” كان ذلك الإعلان لحظة ميلاد وطنٍ حرّ أراد أن يكتب تاريخه بيده، بعيداً عن الوصاية والتبعية. واليوم، يعيد التاريخ طرح السؤال ذاته على الجيش السوداني: هل أنتم على قدر الأمانة لتصونوا استقلال السودان من مشروع الإخوان الذي يسعى لإعادته إلى قبضة الاستبداد والظلام؟

إنها معركة وعي بقدر ما هي معركة وجود، والوعي – كما يقول الفلاسفة – هو السلاح الأول قبل البندقية. ليست القضية بين ضباط وجماعات، بل بين مشروع دولة وطنية ومشروع ظلامي لا يعرف إلا الاستبداد.

إلى النظام المصري: إن موقفكم الصارم ضد الإخوان في السودان يجب أن يظل واضحاً وشفافاً، فهو جزء من معركة الأمن القومي المشترك.

إلى الرأي العام السوداني والعالمي: لا تصمتوا أمام مشروع يزرع الانقسام والفوضى، فالموقف الشعبي الصادق والضغط الجماهيري هما الدرع الأول في مواجهة الاستبداد.

وإلى الشرفاء من أبناء الجيش السوداني: أنتم صمام أمان الدولة، فكونوا على قدر التحدي، ولا تسمحوا لمشروع التمكين أن يختطف شرف المؤسسة العسكرية، فالتاريخ لن يرحم، والوطن يناديكم اليوم قبل الغد.

وكما قال شاعر الحماسة السوداني في نداء يليق بالمواقف العظيمة:

“نحن الرجال البيوقفوا ساعة الشدايد،
ما بنلين لا بنهاب، لا بنخاف وعيد.”

فلتكن هذه الكلمات صيحة حق، ونداء شرف، يحملها أبناء الجيش السوداني في صدورهم، ويجعلون منها عهداً أن تبقى المؤسسة العسكرية حارسة للوطن، لا رهينة لمشاريع الظلام.

أريزونا – الولايات المتحدة الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!