
عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا
حين أُعلن عن مثول علي محمد علي عبدالرحمن المعروف بـ”علي كوشيب” أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، سادت موجة واسعة من الترحيب بين القوى السياسية والمدنية في السودان، واعتبر كثيرون أن في ذلك انتصاراً للعدالة وإنصافاً للضحايا الذين ذاقوا الويلات في دارفور. غير أن هذا الترحيب، على وجاهته، يخفي وراءه تبسيطاً مخلّاً لطبيعة المأساة السودانية وللجذور العميقة التي أنتجت كوشيب ومئات المجرمين الذين سبقوه أو رافقوه في مسرح الجريمة.
فكوشيب، رغم فظاعة ما ارتكبه من جرائم بحق المدنيين العزّل، لم يكن إلا نتاجاً لعقلية مركزية استبدادية ظلّت تعيد إنتاج أدواتها الأمنية والعسكرية لقمع شعوب الهامش منذ فجر الدولة السودانية الحديثة. لم يصنع الرجل نفسه، بل صنعته نخب الخرطوم السياسية والعسكرية والدينية، التي أحكمت قبضتها على الدولة واستغلتها أداة للسيطرة والإقصاء والتهميش. كان كوشيب مجرد “أداة تنفيذ” في منظومة مركزية متغوّلة جعلت من العنف وسيلة للحكم ومن القهر نهجاً لإدارة التنوع.
لقد ظلّت الأنظمة المتعاقبة في السودان – من ما بعد الاستقلال مروراً بنظام مايو وصولاً إلى نظام الإسلامويين – تتحدث عن اللامركزية والفدرالية، لكنها في الواقع غرقت في المركزية القابضة التي احتكرت السلطة والثروة في الخرطوم، ووزّعت الفقر والحرب على الأطراف. النظام الإسلاموي تحديداً هو من أعاد صياغة الجيش والمؤسسات الأمنية على أسس الولاء لا المهنية، وخلق منظومة مليشياوية مارست أبشع الجرائم ضد أبناء الوطن في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
اليوم يُحاكم كوشيب، بينما المجرمون الكبار – عمر البشير، أحمد هارون، وعبدالرحيم محمد حسين – يعيشون حياة طبيعية تحت حماية ما يُعرف بـ“عصابة بورتسودان”، التي ورثت الدولة وتواصل نهج الإفلات من العقاب. كيف يُحاكم منفذ الأوامر، فيما يظل من أصدرها حراً طليقاً؟ كيف تُستدعى العدالة من لاهاي بينما القتلة الحقيقيون يمرحون في القصور تحت غطاء “السيادة الوطنية”؟ مالكم كيف تحكمون؟
إن العدالة لا تتحقق عندما يُحاسب الضعفاء ويُحصن الأقوياء، ولا حين تُقدَّم الأدوات وتُغضّ الأنظار عن العقول التي خططت ومولت وأمرت. العدالة الحقيقية لا تتجزأ، وهي تبدأ من الاعتراف بأن الدولة المركزية هي الجاني الأكبر، وأن ما حدث في دارفور لم يكن انحرافاً فردياً، بل نتيجة طبيعية لبنية سياسية منحازة وعنصرية تأسست على التمييز والوصاية والاستعلاء.
كوشيب في نهاية المطاف ضحية كما هو جلاد؛ ضحية لعقل مركزي مريض علّمه أن الولاء أهم من الضمير، وأن خدمة المركز تُكفّر عن كل جريمة. محاكمته يجب أن تكون بداية لمساءلة أوسع: من الذي صنع كوشيب؟ من الذي غذّى العنف؟ ومن الذي منح القتلة شرعية الدولة؟
لن تتحقق العدالة الحقيقية من لاهاي وحدها، بل من قلب السودان، حين تنهض المجتمعات المحلية لتطالب بحقوقها وتبني مؤسسات قضائية مستقلة، وحين تُفكك منظومة القهر المركزية التي صنعت المأساة وكرّست الإفلات من العقاب.
فما لم يُحاسَب صُنّاع الجرائم قبل منفذيها، ستظل العدالة في السودان مؤجلة ومغتصبة، وسيبقى سؤال الضمير السوداني قائماً:
لماذا نحاكم الأدوات ونصمت عن العقول؟ ولماذا نلعن كوشيب وننسى من أنجبه؟




