رأي

الجيش السوداني: قراءة في البنية الاستعمارية ودوره في أزمة الدولة الوطنية

خضر كوة

أولاً: النسخة الأكاديمية/البحثية
منذ نشأته في عهد الحكم التركي-المصري ثم إعادة تشكيله في ظل الإدارة البريطانية، ظل الجيش السوداني مؤسسة وظيفية استُحدثت لخدمة مصالح المستعمر أكثر من كونها مؤسسة وطنية. فالتأسيس نفسه لم ينبع من مشروع اجتماعي أو وطني، وإنما من حاجة القوى الأجنبية إلى جهاز عسكري يفرض السيطرة ويؤمن طرق التجارة ويقمع الحركات المحلية.
وعقب الاستقلال عام 1956، لم تتم إعادة هيكلة الجيش على أسس قومية جامعة تضمن انتماءه للشعب، بل استمر بتركيبته القديمة، ليصبح أداة سياسية في يد النخب الحاكمة. هذا الضعف البنيوي جعله سريع الاستجابة للتيارات الأيديولوجية المتصارعة: القومية العربية، الاشتراكية، الإسلام السياسي. وفي كل مرة كان الجيش يتبنى أيديولوجيا ما، كان يفقد أكثر فأكثر حياده ووطنيته، ويتحول إلى أداة قمع داخلي.
ساهم الجيش بصورة مباشرة في إجهاض التجارب الديمقراطية الوليدة عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية، كما لعب دوراً محورياً في تكريس الحرب الأهلية عبر العنف الممنهج ضد الأقاليم المهمشة. هذا الدور التاريخي لا يعكس فقط أزمة المؤسسة العسكرية، بل يكشف عن عمق الأزمة الوطنية نفسها، حيث ارتبطت الدولة منذ البداية بترتيبات ما بعد الاستعمار، وتمحورت حول جهاز قمعي بدل أن تتمحور حول عقد اجتماعي جامع.

من هنا يبرز التساؤل: هل يمكن للسودان أن يحقق تحولاً ديمقراطياً حقيقياً دون إعادة هيكلة كاملة لمؤسسته العسكرية؟ إن استمرار الجيش بصورته الحالية يعني إعادة إنتاج الأزمة، أما بناء دولة المواطنة فيتطلب بالضرورة قطيعة جذرية مع النموذج العسكري الوراثي الذي شكّل عبر عقود طويلة خصماً على تطور الدولة الوطنية.

ثانياً: النسخة الثورية/التحريضية

الجيش السوداني: أداة استعمار وقاتل الشعب

منذ اليوم الأول لولادته على يد الأتراك والإنجليز، لم يكن الجيش السوداني جيشاً للشعب، بل جيشاً ضد الشعب. صُمم ليحمي مصالح الغزاة ويقمع الثورات، واستمر بعد الاستقلال بنفس الروح: أداة طغيان ووصاية لا علاقة لها بمستقبل السودان.

كل انقلابات العسكر، كل الدماء التي سالت في الجنوب والغرب والشرق، كل المذابح التي ارتُكبت في المدن والقرى، يقف خلفها هذا الجيش. لم يحمِ أرضاً ولم يبنِ دولة، بل تحالف مرة مع الإسلاميين ومرة مع الشيوعيين، ليظل هو اللاعب الوحيد القادر على ذبح أي محاولة للتغيير الديمقراطي.

هذا الجيش هو الحاجز الأكبر أمام قيام السودان الحر، وهو الخنجر الذي أبقى البلد أسيراً للاستعمار الجديد عبر دولة 1956 الهشة. لذلك فإن معركة الشعب السوداني ليست مع فصيل أو حكومة، بل مع مؤسسة كاملة وُلدت لتدميره.

إما أن يتم تفكيك هذا الجيش وتشييد مؤسسة وطنية جديدة من قلب المجتمع، أو سيظل السودان رهينة الانقلابات والدمار والانقسام. لا مستقبل لدولة المواطنة ما دام “جيش الاستعمار” جاثماً على صدرها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!