
ود مدني اليوم لم تعد تلك المدينة التي نعرفها، بل تحولت إلى مستعمرة بائسة تديرها عصابات التقراي، هؤلاء الذين جاؤوا على ظهور بنادق الاخوان في حربهم على شعبنا، اليوم يتربعون فوق صدور الناس يسومونهم سوء العذاب، والمواطن المسكين يعض على جراحه صامتًا، خوفًا من بطشهم وخيانة وتآمر جماعة الاخوان المتنفذين في الجيش .
هناك أكثر من أربعة آلاف من التقراي الدخلاء يتمددون بين مجمع أبو حراز ومجمع لوتاه السكني وداخل أحياء ود مدني، يحتلون البيوت، يطردون أصحابها، ينهبون أثاثهم، ويذلونهم في عقر دارهم. أي عار هذا؟ أي دولة هذه التي تسمح بأن يتحول شعبها إلى لاجئ في أرضه، بينما المرتزقة يمرحون ويعربدون؟
الأدهى والأمر أن هؤلاء المرتزقة لا تتحركون وحدهم، بل حماية من ضباط كبار ضباط جيش الفلول، الذين باعوا شرف البندقية وأصبحوا حراسًا لسكارى التقراي بدلًا من حماية أهلهم. جندي سوداني إن تشاجر مع مخمور تافه من هؤلاء، يُدان فورًا، بينما التقراي لا يطالهم الحساب ! هل هناك خيانة أوضح من ذلك؟
شوارع مدني صارت مسرحًا للعار: رجال سكارى يترنحون، نساء شبه عاريات يسبحن في النيل ويجوبن الأحياء بملابس السباحة، يضحكون في وجوه الناس، ومن يعترض يُسحق بالضرب. أي إذلال أكبر من أن يرى المواطن عرضه وقيمه تداس أمامه وهو عاجز؟
ولم يكتفوا بالرذيلة، بل فتحوا سوقًا كاملة للانحطاط في ظلط الأربعين: دعارة، خمور، مخدرات. وحتى أمراض الإيدز يقال إنها وجدت موطئ قدم بينهم، في تهديد مباشر لصحة الناس. ومع ذلك، الأمن يتفرج وكأن الأمر لا يعنيه، بل كأن هناك أوامر عليا بأن يُترك هؤلاء يعيثون فسادًا!
أما الطبيعة فقد نالت نصيبها من الخراب، آلاف الأشجار تم قطعها لتباع فحمًا بأيدي التقراي، ومن يفتح فمه اعتراضًا، ينهال عليه المرتزقة بالضرب والمهانة. ود مدني الذي كان أخضر، يُفرغ الآن من أشجاره ليُملأ بالفوضى والدمار، وكل ذلك تحت سمع وبصر من يفترض أنهم حماة الوطن.
الحقيقة المُرة أن ما يجري ليس مجرد انفلات، بل احتلال قذر بكل ما تحمله الكلمة من معنى. احتلال مدعوم بصمت متواطئ من الدولة وجيشها، وكأن المواطن السوداني لا يساوي شيئًا عند حكامه.
لن نوارب الكلام: التقراي سرطان ينخر في جسد مدينة ود مدني الجزيرة عموما، وإذا لم يُستأصل الآن، فسينتشر غدًا ليبتلع باقي السودان. على المواطنين التحرك اليوم قبل الغد، وإلا فإن صمتهم لن يُفسر إلا كخيانة عظمى، وجريمة في حق البلاد.
لقد بلغ السيل الزبى، والمواطن البسيط الذي طحنته الفوضى والذل لم يعد يحتمل. إن لم يستفق الجيش، إن لم تتحرك، فسيأتي يوم يثور فيه هذا المواطن، وحينها لن يبقى حجر على حجر، ولن تنفع الندامة.




