
الفاضل محمود أبوبكر
في عمق رهيد النوبة حيث تختلط رائحة البارود بصدى الشعارات الزائفة التي سُطّرت لتغذي آمال الجنود السودانيين بالجنة على بعد خطوة جاءت الحادثة التي عكست مأساة الواقع السوداني الحالي الناجي مصطفى والنعمان اللذان كانا يتصدران خطابات الحماسة الدينية ووعود النصر كانا أول من هرب من ساحة المعركة تاركين خلفهم الجنود الذين كانوا يتوهمون أن الجنة تنتظرهم في آخر خط المواجهة إلا أنهم وجدوا أنفسهم في ميدانٍ قاحل بلا قائد ولا أمل في مكان لا يكترث فيه أحد بمصيرهم
وعندما وصل هؤلاء القادة الهاربون إلى قيادة اللواء في الدويم لم يلقوا ترحيبًا ولا تكريمًا بل ردّ عليهم الجنود بسخرية لاذعة قائلين
“أنتم من بشّرتمونا بهُبّي رياح الجنة وأنتما أول من هرب”
هذه الكلمات التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد رد فعل غاضب تكشف عن جرح عميق في قلب الأزمة السودانية فقد كشف هذا الموقف عن فشلٍ مزدوج عسكريًا حيث انهارت القيادة أمام أول اختبار حقيقي سياسيًا حيث تساقطت الأكاذيب التي ظلت تُروى للجنود منذ بداية الحرب حول المجد المنتظر
لكن هذه الحادثة ليست مجرد حادثة محلية في رهيد النوبة أو الدويم بل هي مرآة حقيقية تعكس الأزمة السودانية برمتها التي تزداد تعقيدًا كل يوم فالحرب التي بدأت بتأجيج الخطاب الجهادي المزعوم سرعان ما أظهرت خواء ذلك الخطاب عندما هرب القادة الأوائل في أول مواجهة حقيقية تاركين الجنود والضحايا يواجهون مصيرهم وحيدين
وهنا يطرح السؤال الأكثر مرارة إذا كانت القيادة هي أول من يتراجع عند أول اختبار فما هو مصير الجنود الذين تم إقناعهم بأنهم يقاتلون من أجل “الجنة” وأين تكون تلك الجنة حين يصبح الموت خيارًا لا مفر منه في كل زاوية من زوايا الحرب
لقد كانت هذه الحادثة بمثابة ضربات قوية لصدقية ما كان يُروّج له طيلة السنوات السابقة فلقد تفجرت الأوهام التي كانت تُقدّم كحقائق للمجتمع السوداني لتتحول إلى مادة للسخرية في أعين الجميع فحتى الذين كانوا يظنون أن القتال من أجل “الجنة” سيمنحهم عزاءً عظيمًا وجدوا أنفسهم أول من يتخلى عن ذلك الوهم عندما تصبح الحقيقة عارية تمامًا أمامهم
هذه اللحظة هي نقطة تحول في فهم الواقع السوداني على المستوى الإقليمي والدولي فرغم كافة الجهود التي كانت تسعى لدعم النظام القائم أظهرت هذه الحادثة هشاشة هذه القيادة وضعف قدرتها على الوفاء بالوعود التي قدمتها إذ كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يستثمر في نظام عسكري هارب ينهار تحت أول اختبار تاركًا وراءه ضحايا لم يستفدوا سوى من الشعارات الفارغة
بالنظر إلى هذه التطورات يبرز السؤال هل يمكن لهذا النظام أن يعيد بناء أي مصداقية بعد هذه الحادثة وكيف يمكن لقوى سياسية أو مدنية أن تعيد التوازن وتبني مشروعا جديدًا يحترم حقوق المواطن السوداني بدلاً من السير في ذات المسارات الفاشلة التي قادت إلى هذه النتيجة
شعار “هُبّي رياح الجنة” الذي طالما تم الترويج له أصبح اليوم مصدر سخرية مريرة لا تقتصر على الجنود الذين فقدوا حياتهم في سبيله بل يطال الأنظمه التي دافعت عنه منذ فجر الإنقاذ الاولي التي كانت تُبشّر بها تبين أنها لم تكن سوى حلم زائف يتم تصديره للمجاهدين فى الجنوب ودارفور والنيل الأزرق وكردفان واما اليوم فقد أعلن الجهاد على كافة ربوع السودان
حسب المعطيات ان حادثة رهيد النوبة لم تكن مجرد حادثة عسكرية معزولة بل هي دليل على انهيار المشروع العسكري الاسلاموي الذي ظل يروج لهذه الأكاذيب لسنوات إن الوقت الآن قد حان لمراجعة شاملة لهذا الخطاب الذي الفارغ من أي مضمون حقيقي فالشعب السوداني في حاجة ماسة إلى تغيير جاد بعيدًا عن الشعارات الكاذبة إنه بحاجة إلى مشروع سلام حقيقي يعكس تطلعاته ويخدم مصالحه بدلاً من أن يُقاد إلى مزيد من الهزائم والتضحيات تحت شعارات فارغة
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي وحينما تهرب القيادات وتبقى الشعارات وحدها في الميدان يصبح من الواضح أن هذه الحرب لن تؤدي إلا إلى فشل سياسي كامل الفرصة اليوم مفتوحة لتغيير جذري في المشهد السياسي السوداني ولكن لا يمكن لهذا التغيير أن يتحقق ما لم تنقلب هذه المعادلة وتختفي الأكاذيب التي قُدمت على أنها حقائق
لا يمكن أن يكون السلام في السودان حقيقيًا دون أن يُطوى هذا الفصل المظلم من الأكاذيب والوعود الفارغة لتبدأ صفحة جديدة تستند إلى الحقيقة والمصالحة لا إلى الشعارات المضللة




