
محمد احمد عبدالله قرقر
لم يكن العالم يعرف مصطلح الإبادة الجماعية قبل العام 1944، إلى أن تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 الاتفاقية التي اعتبرت الإبادة جريمة دولية يجب تقديم مرتكبيها للعدالة. ورغم أن التطبيق العملي تأخر حتى تسعينيات القرن الماضي عبر محاكم رواندا ويوغسلافيا، إلا أن تلك التجارب أثبتت أن الجريمة، مهما طال الزمن، لا تفلت من المحاسبة.
في السودان، جاء دخول هذا المفهوم عبر بوابة حروب دارفور وما شهدته من قتل وتشريد واستهداف واسع للمدنيين. ومن بين أكثر تلك الجرائم رسوخاً في الذاكرة ما ارتكبته قوات مني أركو مناوي في محلية برام جنوب دارفور في العام 2004 وما بعده، حيث قُتل عدد كبير من الأبرياء، بينهم وكيل الناظر وشقيقه وأعيان وأبناء المنطقة. يومها استُبيحت برام بالكامل، وغابت المحاسبة، لكن ذاكرة الناس لم تغب.
وعندما تم توقيع اتفاقية سلام جوبا وتولى مناوي منصب حاكم إقليم دارفور، جاب عدداً من المحليات لكنه تجنب برام. لم يزرها لأنه يعلم تماماً أن أهلها لم يطووا جراحهم، وأن دماء الضحايا لا تزال تنطق. فالجريمة ـ وخاصة جريمة الإبادة ـ لا تسقط بالتقادم، ولا تشفع لها المناصب ولا التحالفات السياسية.
واليوم، بعد أن اختار مناوي الانضمام إلى معسكر العصابة التي حكمت السودان ثلاثة عقود بقبضة القمع والفساد، يتأكد أن الرجل لم يغادر طريقه القديم، وأنه جزء من منظومة طالما اعتبرت حياة الإنسان السوداني ثمناً زهيداً. تلك العقود التي سالت فيها الدماء حتى صارت مجرد أرقام في الصحف، ستظل محفورة في الذاكرة الجمعية، ولن تعفي أحداً من العدالة: من البشير إلى آخر من ارتكب أو شارك أو تستر.
الشعب السوداني، رغم الجراح، يسير بثبات نحو سودان فيدرالي ديمقراطي، سودان العدالة والمواطنة المتساوية، والقطيعة مع إرث الإفلات من العقاب. ومع اقتراب العام الميلادي الجديد، يشتد أمل السودانيين بفجر يسطع على وطن جديد يسترد فيه الإنسان كرامته وحقوقه التي سُلبت لعقود.
وسيعلم مناوي ومن شايعه أن التاريخ لا ينسى، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تغيب، وأن طريق الهروب من الحقيقة أقصر كثيراً مما يظنّون.
أ. محمد أحمد عبد الله قرقر
الأمين الشؤون القانونية والدستورية
بحركة الإصلاح والتجديد




