
نجم الدين دريسة
مؤكد أن الخطاب الديني السائد لا يزال يرتدي قمصانًا حديدية ماضوية، ويغرق في خلطٍ يبدو مقصودًا، أو ربما يعكس اختلالًا في البنية المفاهيمية لدى المحافظين والإسلامويين. هؤلاء الذين دأبوا على تضليل العامة والبسطاء، عبر تسويق مفاهيم خاطئة، يدركون في قرارة أنفسهم بطلانها، لكنهم يصرّون على ترديدها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقفهم من “العلمانية”.
فهم يلصقون بالعلمانية تعريفات مشوّهة وتصورات زائفة، ويشيعون بين الناس أنها تعني فصل الدين أو العقيدة عن الحياة والمجتمع، ليقدّموها للرأي العام – لا سيما المتأثر بالخطاب الديني – بوصفها مرادفًا للإلحاد، أو صورة من صوره، وفق خيالهم المريض وأجندتهم الأيديولوجية.
وقد نبّه المفكر نصر حامد أبو زيد إلى هذا الخلط في معرض نقده للخطاب الديني، مشيرًا إلى أن العلمانية ليست بأي حال من الأحوال ضد الدين، بل هي ضد استغلال الدين لخدمة أغراض سياسية، كما دأبت على ذلك جماعات الإسلام السياسي. فالعلمانية في جوهرها لا تُقصي الدين عن الحياة، بل تدعو إلى تحييده عن التوظيف الأيديولوجي، وتحقيق استقلالية المجال العام عن الهيمنة الدينية.
من هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحّة لتحرير الخطاب الديني من قبضة الأيديولوجيا، والعمل على تأسيس خطاب جديد يتسم بدرجة عالية من الحرية الفكرية، بعيدًا عن الاستغلال والاستغفال الذي تمارسه جماعات الهوس الديني المنكفئة على تراثٍ جامد، غير قادر على التفاعل مع أسئلة العصر.
الإسلامويون في السودان، على وجه الخصوص، كانوا من أكثر من شوّه صورة الإسلام الوضّاءة، وحوّلوا الدين إلى مؤسسة عقابية، ألحقت الضرر بالسواد الأعظم من المجتمع، وظلوا يهاجمون القوى المدنية، ويتبجّحون بسحق التيارات العلمانية، بل ويتحسسون من مفردات الدولة الحديثة مثل المواطنة، والحداثة، والمجتمع المدني، والحريات، وكأنها مفاهيم “شريرة” تهدف إلى إفساد المجتمع، أو أفكار “منحرفة” تستهدف تدميره!
في الحقيقة، لا يقدّم هؤلاء سوى خطابات خاوية من المعنى، ينسجون فيها خيالات عن الفساد وانعدام القيم، ويوهمون الناس أنهم مبعوثو العناية الإلهية لإنقاذ الشعوب من مستنقع الرذيلة.
لكن الحقيقة البسيطة التي يتناسونها، أن مهمة الدولة ليست أن تكون ظلًّا لله في الأرض، بل أن تطعمهم من جوع، وتؤمّنهم من خوف.




