
سمية النور دهب ..دبلن
لم تعد مأساة السودان كامنة في تعقيد هويته أو في هشاشة توافقاته السياسية، بل في غياب الدولة بوصفها فكرة عادلة ووظيفة عامة. فالحروب المتكررة، والانقسامات الاجتماعية، والانهيارات الاقتصادية، ليست سوى نتائج منطقية لدولة لم تُبنَ أصلاً لخدمة المجتمع، بل جرى توجيهها، عبر عقود طويلة، لتكريس امتيازات فئات محدودة احتكرت القرار والموارد معاً.
إن اختزال أزمة السودان في شكل الحكم أو طبيعة النظام السياسي يغفل السؤال الأهم: أي دولة نريد؟ فالدولة التي تُعرّف نفسها فقط عبر السلطة، وتُهمل وظائفها الأساسية في التنمية وحماية الموارد وإدارة التنوع الاجتماعي، هي دولة مرشحة دائماً لإنتاج العنف. ولهذا فإن أي مشروع وطني جاد يجب أن يبدأ من إعادة تعريف الدولة باعتبارها إطاراً أخلاقياً وقانونياً لإدارة الصالح العام، لا أداة سيطرة.
المشكلة الاقتصادية في السودان ليست أزمة أرقام أو سيولة، بل أزمة بنية اختُلقت بفعل الإهدار المنهجي للموارد العامة، وغياب التخطيط، وسيطرة منطق الريع على حساب الإنتاج. تم تهميش القطاعات الحقيقية القادرة على خلق الاستقرار، فيما جرى التعامل مع الموارد الطبيعية بوصفها مجالاً للنهب لا للتنمية المستدامة. هذه البنية المختلة أنتجت اقتصاداً هشاً، فاقداً للقدرة على دعم الاستقلال الوطني أو توفير الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.
على المستوى الاجتماعي، تآكلت فكرة الانتماء إلى الدولة نتيجة سياسات طويلة الأمد فشلت في الاعتراف الحقيقي بالتنوع، واستخدمته أحياناً كأداة إدارة سياسية. غابت العدالة كقيمة عملية، لا كشعار، فتفجرت النزاعات حول الأرض والمياه والموارد، وتهشم النسيج الاجتماعي، وتحولت المجتمعات المحلية إلى وحدات معزولة تبحث عن حماية خارج إطار الدولة. إن إعادة بناء هذا النسيج تتطلب حضور الدولة كضامن للحقوق، لا كطرف في الصراع.
بناء الدولة على أسس جديدة يقتضي أيضاً إعادة النظر في مفهوم الأمن. فالأمن ليس مجرد قدرة على فرض السيطرة، بل قدرة على حماية الإنسان وسبل عيشه، وضمان سلامة البنية التحتية الحيوية، ومنع توظيف العنف في الصراعات السياسية أو الاقتصادية. لا يمكن تحقيق ذلك دون سيادة القانون، وربط السلطة بالمساءلة، وقطع الطريق أمام عودة الحكم القائم على الامتياز.
سياسياً، لا يكفي الحديث عن لامركزية شكلية أو انتقال مدني محدود الصلاحيات. المطلوب هو نظام حكم متعدد المستويات، يوزع السلطة والثروة بإنصاف، ويمنح المجتمعات المحلية دوراً حقيقياً في صنع القرار. دولة تُشرك الشباب والنساء والريف في رسم السياسات، وتضع ضوابط تمنع إعادة إنتاج المركزية القمعية تحت أي مسمى.
أما في علاقات السودان الخارجية، فإن استعادة الدولة تعني استعادة الدور. لا سياسة خارجية فاعلة دون دولة تعرف مصالحها، وتمتلك اقتصاداً منتجاً، وتوظف موقعها الجغرافي كجسر للتكامل الإقليمي لا كساحة للاستقطاب. الحياد بلا قوة داخلية لا يحمي السيادة، والتعدد بلا رؤية لا يصنع نفوذاً.
إن جوهر الأزمة السودانية هو فشل الدولة بوظيفتها الأساسية، لا فشل المجتمع. والحروب التي تمزق البلاد اليوم ليست إلا انعكاساً لعقود من حكم الخصوصية، حيث سادت الامتيازات وغابت العدالة. إعادة اختراع الدولة ليست ترفاً فكرياً، بل شرط البقاء: دولة جديدة، عادلة، ومستدامة، تُعيد السلطة إلى معناها الحقيقي، وتمنح المجتمع حقه في الحياة والأمان والمستقبل.




