رأي

الحلقة الخامسة: إيقاف الحرب شرط ضروري لتحقيق التنمية المستدامة

صالح السليمي

صالح السليمي

لا يمكن الحديث عن التنمية المستدامة في السودان بمعزل عن الحرب. فالحروب التي اندلعت وتكررت على مدى عقود ليست مجرد نزاعات مسلحة، بل هي السبب الجذري في إعاقة كل مشروع وطني للنهوض، لأنها التهمت الموارد، وشردت الملايين، ودمرت البنية التحتية، وعمّقت الانقسامات، وأضعفت ثقة المواطن في الدولة. إن أي رؤية للتنمية، مهما كانت محكمة ومبشرة، ستظل بلا معنى ما لم يتوقف نزيف الدم ويعم السلام. فالتنمية بطبيعتها تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة تسمح بالتخطيط طويل المدى، وتجذب الاستثمارات، وتمنح الإنسان فرصة العمل والإنتاج بدل أن يكون مطاردًا بالخوف والجوع والنزوح.
الحرب في السودان لم تكن مجرد حدث عابر، بل هي واقع مستمر يعيد إنتاج نفسه بصور مختلفة، من نزاعات إثنية إلى صراعات سياسية مسلحة، ومن انقلابات متكررة إلى مواجهات ميدانية واسعة. وكلما اندلعت حرب جديدة، ضاعفت من فاتورة الخراب التي تراكمت منذ الاستقلال. فقد أهدرت مليارات الدولارات في الإنفاق العسكري بدل أن تُوجَّه للتعليم والصحة والزراعة. كما دفعت الملايين إلى النزوح والهجرة، ما أفقد البلاد طاقاتها البشرية الأكثر حيوية. وبدل أن تكون الموارد الطبيعية نعمة للتنمية، تحولت إلى وقود للصراع بين جماعات مسلحة وقوى سياسية متناحرة.
التنمية المستدامة، بطبيعتها، تقوم على الاستثمار في المستقبل، بينما الحرب لا تنتج إلا الحاضر المأزوم والمستقبل المجهول. التنمية تحتاج إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومشاريع إنتاجية، في حين تنتج الحرب مقابر جماعية وخرابًا عمرانيًا ونزوحًا قسريًا. التنمية تعني توظيف الموارد بكفاءة وعدالة، بينما الحرب تستهلك الموارد وتوزعها على أساس الولاءات الضيقة ومصالح أمراء الحرب. ولذلك فإن وقف الحرب ليس مطلبًا إنسانيًا فقط، بل هو شرط تنموي لا غنى عنه، بل يمكن القول إنه المدخل الوحيد الذي لا يمكن تجاوزه نحو أي حديث جاد عن مستقبل السودان.
النماذج العالمية تؤكد هذا المعنى. فدول خرجت من أتون الحروب مثل رواندا والبوسنة والهرسك وأوغندا لم تبدأ رحلة التنمية إلا بعد أن وضعت حدًا للنزاعات، وركزت على بناء السلام والمصالحة الوطنية. حينها فقط تمكنت من إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات الخارجية وتوظيف مواردها في خدمة المواطنين. حتى في تجارب قريبة مثل إثيوبيا، فقد كان الاستقرار النسبي قبل اندلاع الحرب الأخيرة سببًا مباشرًا في الطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد. هذه الدروس تثبت أن التنمية والسلام وجهان لعملة واحدة، وأن غياب أحدهما يلغي الآخر.
في السودان، يتطلب وقف الحرب إرادة سياسية شجاعة، ومشروعًا وطنيًا يتجاوز الحسابات الضيقة للسلطة، ويضع مصلحة الوطن والمواطن فوق أي اعتبار. فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تُبنى على جثث الأبرياء ولا على مدن محروقة. المطلوب هو عقد اجتماعي جديد يؤسس لوحدة وطنية حقيقية، ويضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، ويضع أسسًا راسخة لعدم تكرار دورات العنف. كما أن السلام في حد ذاته ليس مجرد غياب للقتال، بل هو بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع وضمان العدالة الاجتماعية والمشاركة المتوازنة بين الأقاليم والمكونات المختلفة.
إن وقف الحرب شرط ضروري لتحقيق التنمية، لكنه أيضًا فرصة تاريخية لتحويل مسار السودان من ساحة نزاعات إلى وطن مزدهر. فالتنمية المستدامة التي تستند إلى السلام يمكن أن تفتح الباب أمام الاستقرار المحلي والإقليمي، وتمنح السودان دورًا محوريًا في محيطه الأفريقي. أما استمرار الحرب فلن يعني إلا المزيد من الانهيار والتهميش والضياع لجيل كامل يتطلع إلى غد أفضل. ومن هنا يصبح السلام ليس فقط شرطًا للتنمية، بل هو التنمية ذاتها، لأنه يحرر الطاقات، ويعيد الثقة، ويمهد الطريق لبناء دولة قادرة على حماية مواردها وتوظيفها لصالح كل مواطنيها.

نواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!